في خطوة وُصفت بأنها محاولة “يائسة لتلميع الصورة”، أطلقت الصحف الإماراتية خلال الأيام الماضية حملة إعلامية واسعة تحت شعار “من الإمارات إلى الشعب السوداني الشقيق”، متحدثة عن مبادرات إنسانية ودعم إغاثي يُزعم أنه موجه للمناطق المتضررة من النزاع المسلح في السودان.

وقد احتفى الإعلام الرسمي الإماراتي بهذه الحملات باعتبارها تجسيداً لسياسة “الخير والعطاء” التي تنتهجها أبوظبي، فيما يظهر بوضوح أن توقيت هذه التغطية الدعائية يتزامن بشكل مباشر مع جلسات محاكمة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، والتي تنظر في اتهامات جدية تتعلق بتمويل وتسليح الميليشيات المسلحة في السودان، خاصة قوات الدعم السريع.

وبينما تنشغل المحاكم الدولية بكشف خيوط الدعم الإماراتي للميليشيات المتورطة في مجازر وانتهاكات حقوق الإنسان بحق المدنيين السودانيين، تسعى أبوظبي إلى تقديم نفسها كـ”فاعل خير” عبر ترويجها لمبادرات إنسانية تُشرف عليها منظمات إماراتية، في مقدمتها “الهلال الأحمر الإماراتي”، وهي منظمات باتت تُتهم بأنها غطاء مدني لنشاط عسكري واستخباراتي إماراتي في عدد من الدول.

المساعدات.. وسيلة اختراق عسكري؟

مصادر ميدانية في شرق ووسط السودان كشفت أن العديد من القوافل الإغاثية التي دخلت البلاد خلال الشهور الماضية لم تخضع لتفتيش حقيقي من قبل سلطات محايدة، بل تم تمريرها بتسهيلات غير اعتيادية من قبل فصائل مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع. 

ويُرجح أن بعض هذه القوافل كانت تحمل ضمن حمولتها معدات عسكرية وذخائر وأجهزة اتصال، جرى توزيعها لاحقاً على عناصر تلك القوات التي تُتهم بارتكاب عمليات تطهير عرقي وجرائم ضد المدنيين في دارفور والخرطوم.

الأخطر من ذلك، أن هذه القوافل كانت تُرافقها شخصيات إماراتية تحمل صفات “إغاثية” لكنها في الواقع تابعة لأجهزة أمنية، وفق ما أوردته تسريبات استخباراتية نقلتها صحف غربية في الأشهر الأخيرة. 

وقد سُجل أن بعض “الهبات” الإماراتية للسودان لم تذهب إلى مستشفيات أو مراكز إيواء نازحين، بل وصلت مباشرة إلى معسكرات تابعة لقوات الدعم السريع في مناطق النزاع، ما يعزز فرضية أن العمل الإنساني المزعوم كان غطاءً لإمداد حلفاء الإمارات في الميدان بالعتاد العسكري اللازم لمواصلة حربهم ضد الجيش السوداني والسكان المحليين.

محاولة للهروب من المحاسبة الدولية

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن حملة “الإغاثة” الإماراتية تأتي في سياق محاولة واضحة للالتفاف على المساءلة الدولية، وإعادة صياغة صورة الإمارات كلاعب “إنساني” في الملف السوداني، في مقابل ما يُكشف يومياً في قاعات محكمة العدل الدولية. 

وتُتهم الإمارات، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى، بالمشاركة الفعلية في إطالة أمد الحرب الأهلية في السودان عبر تمويل وتسليح أطراف النزاع، وإمدادها بالتقنيات والأسلحة المتطورة التي تُستخدم في قصف الأحياء السكنية وقتل الأبرياء، وهي جرائم قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

البيانات الصادرة عن محكمة العدل الدولية تشير إلى أن هناك أدلة مادية ووثائق استخباراتية تثبت تورط الإمارات في نقل أسلحة متطورة إلى السودان، بعضها جرى شحنه عبر مطار مدينة “عتق” في اليمن، ثم إلى قواعد في ليبيا، قبل أن ينقل إلى السودان عبر طرق تهريب معروفة.

وفي حين يُتوقع أن تستمر المحاكمة الدولية عدة أشهر، فإن أبوظبي تسعى عبر ذراعها الإعلامية إلى خلق سردية موازية تبرئها من التهم المنسوبة إليها، بل وتحاول تصدير صورة “الراعي الإنساني” في ظل وضع إنساني كارثي يعيش فيه ملايين السودانيين.

حينما تُستخدم المعونات سلاحاً

لم تعد المساعدات الإنسانية محصنة من التسييس، وخاصة حين تصدر عن أنظمة متهمة بارتكاب انتهاكات ممنهجة في أكثر من دولة. وما تقوم به الإمارات اليوم في السودان يُعد نموذجاً واضحاً لتوظيف العمل الإنساني كأداة من أدوات الهيمنة والنفوذ، بل وكوسيلة لإطالة أمد الحروب بدل إنهائها.

وفي ظل صمت دولي متواطئ أحياناً، وغموض في مواقف بعض العواصم الغربية، يبقى الشعب السوداني وحده يدفع ثمن هذه اللعبة القذرة، بينما تُموَّه الحقائق خلف شعارات “الخير” و”الإغاثة”.

اقرأ أيضًا : العدل الدولية- السودان يقدم أدلة تدين دور الإمارات في تمويل قوات الدعم السريع ويدعم اتهام الإبادة الجماعية