في قلب مدينة الفاشر المنكوبة، عاصمة ولاية شمال دارفور، يُكتب فصل جديد من فصول المأساة السودانية، ولكن هذه المرة لا تنبع المأساة من طائرات تقصف أو ميليشيات تهاجم، بل من سلاح أهدأ وأشد فتكًا: الجوع.

والمجرم هذه المرة لا يختبئ خلف لثام، بل يظهر علنًا في بيانات السياسة الخارجية، وتوقيعات العقود، ومواقف الدعم اللامحدود لقوات الدعم السريع، رأس الحربة في هذه الكارثة… والإمارات هي الراعي الأول.

مجاعة تحاصر مدينة بأكملها

منذ أبريل/نيسان الماضي، دخلت الفاشر في حالة حصار تام فرضته قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، التي عطلت الطرق ومنعت دخول الغذاء والدواء وحتى أبسط مقومات الحياة. ما يجري لم يعد أزمة غذاء، بل عملية تجويع ممنهجة ومدروسة تهدف لتركيع السكان وإخماد أي صوت مقاوم، وسط صمت دولي مخزٍ، وتواطؤ إقليمي مستتر خلف شعارات “الحياد”.

فكل المؤشرات تؤكد أن ما يحدث في الفاشر ليس حدثًا عابرًا في ساحة صراع داخلي، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية تمويل وتسليح وتدريب سخي قادته أبو ظبي لصالح قائد ميليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، منذ سنوات، مقابل أدوار وظيفية تخدم المشروع الإماراتي في العمق الإفريقي، لا سيما في مناطق النفوذ الاستراتيجي كدارفور وشرق السودان.

التكايا تتوقف.. والناس تبحث عن الطعام في القمامة

في مشهد يلخص فداحة الكارثة، توقفت “التكايا” – المطابخ الخيرية التي كانت توفر وجبة يومية لعشرات الآلاف من الفقراء والنازحين – بسبب انعدام المواد التموينية. يقول الناشط الإغاثي محمد الرفاعي إن الناس اليوم “يفتشون عن الطعام في القمامة، ولا يجدونه”، في حين يحذر مسؤولون صحيون من أن بعض الأطفال توقف نموهم بالكامل.

كل يوم يمضي في ظل هذا الحصار يعني موتًا إضافيًا: موت بالأمراض، أو بالجفاف، أو ببساطة، بالجوع. يروي الأطباء في المستشفى السعودي – وهو المستشفى الوحيد الذي لا يزال عاملاً – قصصًا يومية عن أمهات يحملن أطفالًا لا تتجاوز أوزانهم 4 كغ، لا يقوون على البكاء، ولا يجدون محاليل لإنقاذهم.

ولعل أشد ما يعكس مدى انحطاط الوضع الإنساني، أن بعض الأسر باتت تقتات على “الأمباز”، علف الحيوانات، في صورة تعيد إلى الأذهان مجاعات أفريقيا الوسطى في التسعينيات، لكنها هنا تجري على مرأى من العالم، وفي لحظة تسيطر فيها دولة كالإمارات على موانئ، وتمتلك أساطيل طيران، وتوزع المساعدات في أفريقيا بمظلة العلاقات العامة، بينما تغلق الطرق على قوافل الغذاء في السودان.

الإمارات.. الممول الذي يخنق المدن

ليست الاتهامات بحق الإمارات ارتجالًا. فالتقارير الأممية والصحفية المتوالية أكدت وجود جسر جوي غير منقطع من أبو ظبي إلى مطارات الدعم السريع، خاصة مطار العِوينات الليبي، حيث تُفرغ الشحنات من طائرات إماراتية خاصة، ثم تُنقل إلى دارفور عبر شبكات التهريب. ورغم أن الإعلام العربي الرسمي يتجاهل هذه المعطيات، إلا أن البيانات الميدانية تؤكد أن استمرار الحصار والدعم اللوجستي والمالي للمليشيات كلها تقود خيوطها نحو أبو ظبي.

المفارقة أن الإمارات، التي تقدم نفسها على أنها “عاصمة التسامح” و”حاضنة للسلام”، ترعى بشكل مباشر إحدى أكبر عمليات الإبادة البطيئة في التاريخ الحديث لشرق أفريقيا، من خلال ميليشيات تُتهم بارتكاب جرائم حرب، وبتنفيذ سياسة تجويع لا تستثني الأطفال.

هذا الدعم الإماراتي لم يعد سرا، بل بات أداة معلنة ضمن أدوات النفوذ الجيوسياسي الذي تمارسه الدولة الخليجية في مناطق النزاع، بهدف تأمين مصالحها في مناجم الذهب، وطرق التجارة، وتحالفات المحاور، حتى لو كان الثمن ملايين الجوعى.

تواطؤ دولي.. وإعلام غائب

بينما تمتلئ الشاشات العالمية بتغطية لحروب أوروبا وحرائق أمريكا الجنوبية، تغيب الفاشر عن الأجندة الإعلامية بشكل مريب. حتى الأمم المتحدة، ورغم معرفتها الدقيقة بما يجري، لم تطرح أي خطة حقيقية لكسر الحصار أو توفير ممرات إنسانية.

هذا الغياب الإعلامي والدبلوماسي لا يمكن فصله عن شبكة العلاقات التي نسجتها أبو ظبي خلال العقد الماضي مع مراكز صنع القرار في واشنطن ولندن وباريس، حيث يتم غض الطرف عن جرائم الدعم السريع في مقابل استمرار الاستثمارات والتعاون الأمني.

أما الصحافة المحلية في الفاشر، فتحارب بعين واحدة وصوت خافت، وسط نقص المعدات وملاحقة الصحفيين، ليبقى صوت الجوع أعلى من صوت الكاميرا.

من ينقذ الفاشر؟

اليوم، تتحول الفاشر إلى مقبرة صامتة للجوعى، بلا طائرات إغاثة، ولا شاحنات دواء، ولا حتى بيانات تضامن. تتآكل المدينة ببطء، وتُهدم ليس فقط بالجوع، بل بالخذلان.

السؤال الذي يجب أن يُطرح على العالم: إلى متى ستبقى أرواح السودانيين رخيصة في ميزان السياسة الدولية؟ وكيف يستقيم أن تكون الإمارات عضواً في مبادرات إنسانية وهي تموّل حصارًا يُزهق أرواح الأبرياء بالجملة؟

إن كسر الحصار عن الفاشر ليس فقط مطلبًا إنسانيًا، بل اختبار أخلاقي للعالم بأسره: إمّا أن يتحرك الآن… أو يُدين نفسه بالصمت القاتل.

اقرأ أيضًا : فشل أدوات الضغط الإسرائيلية في غزة.. حين ارتدت العصا على صاحبها