في سعيها المستميت لفرض إرادتها على قطاع غزة، استعملت إسرائيل ثلاث أدوات ضغط رئيسية ضد حركة “حماس”، وهي: القوة العسكرية، الضغط على المدنيين، والشرعية الدولية.
لكن المفارقة الموجعة لتل أبيب أن هذه “الروافع التفاوضية”، كما يسميها الجنرال الإسرائيلي دورون هدار، تحولت إلى أعباء استراتيجية، وارتدت عليها بشكل عكسي، بل أسهمت في تعزيز موقف حماس سياسيًا وميدانيًا.
هذا التحليل الذي نشرته القناة 12 الإسرائيلية على لسان هدار، القائد السابق لوحدة الأزمات والمفاوضات، يفضح حجم الإخفاق الإسرائيلي في استخدام “العصا” والجزرة، ويقر ضمناً بأن المقاومة الفلسطينية استطاعت ليس فقط امتصاص الضربات، بل وتحويلها إلى أوراق قوة في ميدان القتال، وساحات الإعلام، وغرف المفاوضات.

القوّة العسكرية.. سلاح ذو حدين انقلب على مستخدمه
حين أطلقت إسرائيل ما سمّته “خطة عربات غدعون”، كان الهدف المُعلن هو سحق “حماس”، وتدمير بناها التحتية، وعزلها عن المدنيين في القطاع، لكن النتيجة كانت كارثية على جيش الاحتلال نفسه.
فمع استمرار التوغل البري، ثبتت القوات في مواقع غير آمنة وسط بيئة مدنية معقدة، مما حول الجنود الإسرائيليين إلى أهداف سهلة للعبوات الناسفة، ونيران القناصة، والهجمات النوعية التي أثبتت قدرة المقاومة الفائقة على العمل تحت النار.
والأخطر، كما يقر الجنرال هدار، أن هذه الاستراتيجية أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف الجيش، دون أن تفضي إلى أي مكسب حقيقي في ملف الرهائن، بل العكس؛ أثبتت الأيام أن استعادة الأسرى الأحياء لا تتم عبر القوة بل من خلال التفاوض، وهو ما كانت حماس تعرفه جيداً، وتبني عليه استراتيجيتها.
وبذلك تحوّلت القوة العسكرية من “رافعة ضغط” إلى مأزق داخلي لإسرائيل، يُنزف فيه الجنود على مذبح وهم الحسم العسكري، بينما تتعاظم كفاءة المقاومة الفلسطينية ميدانياً، عبر استخدام الأنفاق، والمباغتات، والتكتيكات غير المتوقعة.
الضغط على المدنيين.. عندما يتحول الحصار إلى سلاح في يد المقاومة
اعتمدت إسرائيل، منذ البداية، على استراتيجية “الألم المجتمعي”، أي الضغط على المدنيين الفلسطينيين في غزة، ظنًا منها أن الجوع والعطش والخوف قد يدفع الناس للانقلاب على حماس. لكن الواقع أن هذه المقاربة كشفت قصر النظر الأخلاقي والسياسي والعسكري لدى صناع القرار في تل أبيب.
فبدلاً من تحريض السكان ضد المقاومة، وحّدت سياسة التجويع صفوف الغزيين، وأظهرت حماس في صورة من “يتحمل الأعباء”، في مواجهة “عدو لا يرحم”، يعاقب الأطفال والنساء قبل المقاتلين.
والمفارقة أن هذه الرافعة، التي كانت تُستخدم لتقويض الدعم الشعبي للمقاومة، تحولت إلى دليل إدانة عالمي ضد إسرائيل، حيث تصدرت صور المجاعة، وطوابير المساعدات، وأشلاء الأطفال، عناوين كبريات الصحف، وأصبحت إسرائيل أمام سيل من الإدانات الدولية المتزايدة.
الجنرال هدار نفسه يعترف أن هذه الصور باتت أقوى من ألف بيان إسرائيلي، وأنه لا يمكن للآلة الدعائية أن تُقنع العالم بأن غزة “تتلقى مساعدات” في حين أن صور الأطفال الجائعين تملأ الشاشات.
الشرعية الدولية.. من غطاء للعملية إلى قيد حول المعصم
في الأيام الأولى للحرب، نجحت إسرائيل في حشد دعم دولي سياسي وعسكري، وظنت أن ذلك يشكّل “ضوءًا أخضر” لمحو غزة من الوجود. لكنها لم تدرك أن الشرعية الدولية ليست شيكًا مفتوحًا، وأن استمرار القصف العنيف، واستهداف المدنيين، وتجاهل قرارات الأمم المتحدة، سيحوّل هذه الشرعية إلى نقمة.
لقد سمحت الشرعية الأولية بتنفيذ عمليات اغتيال، وتدمير أحياء بأكملها، وتوسيع العمليات البرية. ولكن مع تراكم الفظائع، وتزايد الاحتجاجات، وتعاظم جرائم الحرب الموثقة، بدأت الدول الغربية نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في مراجعة مواقفها، بل وفرض ضغوط على تل أبيب لتقديم “تنازلات إنسانية”، وصلت حد فرض هدنة دون مقابل.
وهكذا تحولت الرافعة الدبلوماسية إلى عائق، حيث تراجعت قدرة إسرائيل على شرح استراتيجيتها أو الدفاع عن عملياتها، فيما استغلت حماس هذا التحول بذكاء، فرفعت من سقف شروطها، وراكمت المكاسب التفاوضية، مستفيدة من سخط الشارع العالمي والدولي.
حماس تُحسن إدارة الحرب.. وإسرائيل تقترب من قاع الهزيمة
يقول الجنرال هدار محذرًا: “المفاوضات مستمرة، لكن حماس تتقوى من إدانات العالم لإسرائيل، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل الآن، فإن النهاية قد تكون قسرية للحرب دون عودة المختطفين”.
إن اعتراف مسؤول عسكري إسرائيلي بهذا الحجم، يؤكد ما يعرفه الفلسطينيون جيدًا: أن المقاومة لم تضعف رغم الحصار، وأن تل أبيب سقطت في فخ الغطرسة العسكرية، واستُنزفت سياسيًا وأخلاقيًا، حتى باتت بلا أوراق ضغط فعالة.
لقد ارتدت العصا على صاحبها، وتحولت الأدوات الثلاث من “روافع” إلى “قيود”، في مشهد يُلخص مأساة الاحتلال الذي يجهل كيف يواجه شعبًا يعرف كيف يقاتل ويصبر ويُفاوض.
اقرأ أيضًا : أموال مشبوهة تغزو أوروبا: تحقيق أوروبي يفضح أطماع الإمارات في “كوفيسترو”