في خطوة تعكس طبيعة النظام السياسي في الإمارات، أعلنت شرطة أبوظبي اعتقال 375 شخصًا بتهم “التصوير” و”نشر معلومات مضللة”، في سياق الحرب مع إيران. هذه الحملة، التي تبدو للوهلة الأولى إجراءً أمنيًا، تكشف في العمق عن نهج متجذر يقوم على تقييد الحريات وتحويل أي سلوك مدني بسيط إلى جريمة.

التصوير جريمة: تجريم الحياة اليومية
ما يثير القلق في هذه القضية ليس فقط عدد المعتقلين، بل طبيعة التهم نفسها. فالتصوير—وهو سلوك طبيعي في أي مجتمع—تحول فجأة إلى فعل إجرامي قد يقود إلى السجن. هذا يعكس توسعًا خطيرًا في تعريف “التهديد الأمني”، بحيث يشمل أفعالًا لا تشكل في حد ذاتها خطرًا حقيقيًا.
في الإمارات، لا يتعلق الأمر فقط بحماية المنشآت أو المعلومات الحساسة، بل بفرض سيطرة كاملة على ما يمكن رؤيته ونشره. المواطن أو المقيم لم يعد مجرد شاهد على الأحداث، بل أصبح هدفًا محتملاً للملاحقة إذا حاول توثيق ما يجري حوله.
احتكار الرواية: لا صوت يعلو فوق السلطة
الحديث عن “معلومات مضللة” يفتح بابًا واسعًا للتأويل، وهو ما تستغله السلطات لفرض روايتها الوحيدة. في ظل غياب إعلام مستقل، تتحول الدولة إلى المصدر الوحيد للحقيقة، بينما يُجرَّم أي سرد مختلف—even لو كان قائمًا على الوقائع.
هذه السياسة لا تهدف فقط إلى منع الشائعات، بل إلى السيطرة على الوعي العام. فحين يُمنع الناس من نقل ما يرونه، يصبح الواقع نفسه خاضعًا لإعادة الصياغة وفق ما تريده السلطة.
دولة الخوف: القمع كأداة حكم
تكرار مثل هذه الحملات يعزز ما يمكن وصفه بـ”دولة الخوف”، حيث يعيش الأفراد تحت ضغط دائم من الرقابة والمساءلة. المقيمون، الذين يشكلون غالبية السكان، يجدون أنفسهم في وضع هش، حيث يمكن أن تؤدي زلة بسيطة—كالتقاط صورة—إلى الاعتقال.
هذا المناخ لا يخلق استقرارًا حقيقيًا، بل يفرض صمتًا قسريًا. الصمت هنا ليس دليل رضا، بل نتيجة مباشرة للخوف من العقاب.
محمد بن زايد ونموذج السيطرة الصارمة
تأتي هذه السياسات في إطار نموذج حكم يعتمده محمد بن زايد، يقوم على تحقيق الاستقرار عبر القبضة الأمنية. صحيح أن هذا النموذج نجح في تقديم صورة دولة حديثة ومستقرة، لكنه في الوقت نفسه بنى نظامًا لا يتسامح مع أي مساحة حقيقية للتعبير.
الأحداث الأخيرة تظهر بوضوح أن الأولوية ليست لحقوق الأفراد، بل لفرض النظام بأي ثمن. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أن هذا النهج يتجه نحو مزيد من التشدد، لا العكس.
قمع في زمن الأزمات: استغلال اللحظة
التاريخ السياسي يظهر أن الأزمات غالبًا ما تُستخدم لتبرير إجراءات استثنائية. في الحالة الإماراتية، تبدو الحرب مع إيران فرصة لتعزيز السيطرة الداخلية، تحت غطاء حماية الأمن القومي.
لكن المشكلة أن هذه الإجراءات لا تكون مؤقتة في كثير من الأحيان، بل تتحول إلى جزء دائم من بنية النظام، ما يعني تضييقًا مستمرًا على الحريات حتى بعد انتهاء الأزمة.
خاتمة: استقرار هش قائم على القمع
ما يجري في الإمارات اليوم يعكس معادلة واضحة: استقرار ظاهري يقابله قمع متصاعد. الاعتقالات الجماعية بسبب “التصوير” ليست مجرد إجراء أمني، بل مؤشر على نظام لا يثق في مجتمعه، ويسعى إلى السيطرة عليه بدلًا من إشراكه.
وفي ظل غياب أي مساحة حقيقية للنقد أو المساءلة، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا النموذج دون أن يواجه تحديات داخلية عميقة؟
اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران