في تطور لافت يعكس حجم التصدع داخل معسكر التحالف، غادرت قوات سعودية وسودانية مواقعها داخل قصر المعاشيق الرئاسي في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، السبت، في خطوة وُصفت بأنها مؤشر على تصاعد الخلافات بين الرياض وأبوظبي، وعلى بدء مرحلة جديدة من إعادة التموضع العسكري في الجنوب الذي يشهد منذ أسابيع توترًا متصاعدًا. ويأتي هذا الانسحاب في وقت تتوسع فيه سيطرة ميليشيا المجلس الانتقالي المدعومة إماراتيًا، وتزداد فيه المخاوف من تحوّل الجنوب اليمني إلى ساحة نفوذ أحادي لخطط أبوظبي التقسيمية.
وفق مصادر حكومية مطّلعة، فإن القوات السعودية والسودانية التي ظلت لسنوات متمركزة داخل قصر معاشيق، غادرت مواقعها بشكل كامل، تاركةً القصر تحت سيطرة قوات تابعة لميليشيا الانتقالي. ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره خطوة سياسية بقدر ما هو عسكري، إذ إنه يأتي بالتزامن مع مغادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي للقصر، بعد تعرض فريقه لمضايقات وضغوط من قبل القوة المسيطرة على عدن، ما أشار إلى وجود محاولة واضحة لدفع السلطة الشرعية خارج مركزها الرمزي والإداري.

خروج العليمي.. ضربة رمزية للشرعية
جاء انسحاب القوات السعودية مباشرة بعد اقتراب وحدات تابعة لميليشيا الانتقالي من مقر إقامة العليمي داخل القصر، الأمر الذي دفعه لإصدار تعليمات عاجلة لفريقه بإخلاء المكاتب ونقل الملفات والمقتنيات الخاصة، في إجراء غير مسبوق منذ توليه المنصب. ورغم أن العليمي لم يُدلِ بأي تصريح، إلا أن هذا التحرك يؤشر إلى فقدانه السيطرة الفعلية على مقر الحكم المؤقت، وإلى تحوّل عدن إلى منطقة نفوذ شبه كامل للقوى المدعومة إماراتيًّا.
ما يزيد من خطورة المشهد أن قوات الحرس الرئاسي المكلفة بحماية العليمي غادرت بدورها مواقعها داخل القصر، لتتسلمه وحدات تابعة لميليشيا الانتقالي، في سابقة تقوّض سيادة الدولة وتؤكد أن مقرات الحكم باتت خاضعة لقوة خارج إطار الشرعية.
حضرموت تُشعل الخلاف السعودي الإماراتي
لا يمكن قراءة انسحاب القوات السعودية بمعزل عن التطورات المتسارعة في حضرموت، حيث سيطرت ميليشيا الانتقالي على معسكرات رئيسية للجيش اليمني خلال الأيام الماضية، وهو ما شكّل صدمة للرياض التي كانت تنتظر تنفيذ تفاهمات تقضي بتسليم هذه المقار بشكل مشترك.
رفض الانتقالي تنفيذ هذه التفاهمات فجّر خلافًا مكتومًا بينه وبين السعودية، التي بدأت وفق المصادر في إعادة تموضع لقواتها في عدن ولحج وجزيرة ميون الاستراتيجية في باب المندب. ويبدو أن الرياض تخشى من تحول النفوذ الإماراتي إلى واقع ثابت، خصوصًا بعد سلسلة خطوات ميدانية متسارعة تستهدف تعزيز مواقع الانتقالي.
مشروع إماراتي لتقسيم اليمن؟
يتزامن التمدد العسكري لميليشيا الانتقالي مع اتساع الدور الإماراتي في الجنوب، ما جعل مراقبين يمنيين يجزمون بأن أبوظبي تعمل على فرض كيان سياسي وعسكري منفصل يخدم مصالحها الجيوسياسية، خاصة في السواحل والموانئ والطرق البحرية.
ومن هنا يُفهم سبب الانزعاج السعودي المتزايد، إذ لم يعد بالإمكان تجاهل أن الجنوب يتجه نحو واقع انفصالي فعلي، في ظل تراجع مؤسسات الدولة وانسحاب قوات كانت تؤمّن القصر الرئاسي نفسه.
كما أن السيطرة المتنامية على المعسكرات والقصر الرئاسي والمقار السيادية ترسّخ النفوذ الإماراتي وتضع الحكومة اليمنية في موقع أضعف من أي وقت مضى، ما يهدد بانهيار التفاهمات التي بُني عليها التحالف منذ بدايته.
عدن بين مفترقين: مركز دولة أم نقطة انطلاق للانفصال؟
يقف الجنوب اليمني اليوم أمام لحظة حساسة. فبين إعادة التموضع السعودي وصعود قوة ميليشيا الانتقالي، يتأكد أن عدن تبتعد أكثر عن دورها كمقر للحكم وتحولت إلى ساحة صراع بين مشاريع إقليمية متباينة.
الانسحاب السعودي قد يكون رسالة سياسية لأبوظبي، لكنه في الوقت نفسه يعكس فشلًا في احتواء النفوذ الإماراتي الذي يتوسع بالتوازي مع تراجع السلطة الشرعية.
وفي ظل استمرار الفراغ الأمني وسيطرة الميليشيا على المنشآت الرسمية، سيظل مستقبل اليمن مهددًا بانقسام فعلي، خاصة إذا استمرت أبوظبي في دعم مشروعها التخريبي الذي يعمّق الانقسام ويُبقي باب المندب والبحر العربي في قلب صراع نفوذ خليجي لا يعرف الاستقرار.
اقرأ أيضًا : الكويت تسحب الجنسية من طارق السويدان.. قرار رسمي يعمّق أزمة الحريات ويكرّس مسار القمع