في خطوة جديدة تعكس توجهاً متصاعداً نحو تضييق المجال العام في الكويت، نشرت الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” مرسوماً أميرياً يقضي بسحب الجنسية من الداعية الكويتي المعروف طارق السويدان، أحد أبرز رموز الخطاب الإسلامي الإصلاحي في الخليج، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالحراك الشعبي في الكويت بعد الربيع العربي.
المرسوم الصادر عن قصر السيف والموقّع من أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الصباح، جاء بصيغة قانونية مقتضبة، لكنه حمل دلالات سياسية واضحة. فقد نصّ على:
“تُسحب الجنسية الكويتية من طارق محمد الصالح السويدان، وممّن يكون قد اكتسبها معه بطريقة التبعية”، وذلك بناءً على عرض النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وبعد موافقة مجلس الوزراء. كما ألزم المرسوم وزير الداخلية بتنفيذ القرار فور نشره.
ورغم أن المرسوم لم يُفصِح عن المادة القانونية التي استند إليها القرار، إلا أن السياق العام يشير إلى توظيف السلطة لأدوات الجنسية كوسيلة لمعاقبة الخصوم والناشطين، ضمن موجة أوسع من الإجراءات الاستثنائية التي طالت آلاف المواطنين خلال العامين الماضيين.

غياب الشفافية.. وتجريم غامض بلا أدلة
لطالما حدّد القانون الكويتي ثلاث حالات رئيسية لسحب الجنسية:
- اكتساب الجنسية عن طريق الغش أو الإدلاء بمعلومات غير صحيحة.
- ارتكاب جرم جسيم يستدعي السحب.
- وجود دلائل لدى الجهات المختصة على قيام الشخص بـ تقويض النظام أو الإضرار بمصالح الدولة.
لكن في حالة السويدان، لم تُعلن وزارة الداخلية أياً من هذه الأسباب، ما فتح الباب أمام التأويلات السياسية. فالسويدان، المعروف بخطابه المعتدل وانتمائه للفكر الإسلامي الحركي، لم يُعرف عنه أي نشاط يندرج قانونياً تحت “تقويض النظام”. بل إن نشاطه يتركز في التعليم والإعلام والإدارة والكتابة، وهو ما جعل القرار يبدو أقرب إلى عقوبة سياسية لا إلى إجراء قانوني.
ويشير ذلك إلى توجه غير مسبوق في الكويت نحو النزع الإداري للجنسية لأسباب تتصل بالمواقف أو الانتماءات، لا بالجرائم أو المخالفات المثبتة.
استهداف الشخصيات المؤثرة.. سياسة تقليم أظافر المعارضة
لم يكن السويدان أول من يُسحب منه جوازه الكويتي، ولن يكون –وفق المؤشرات الحالية– الأخير. فمنذ نحو عامين، نفّذت السلطات الكويتية حملة واسعة شملت عشرات الآلاف وفق تقديرات حقوقية، وطالت رجال دين، وأكاديميين، وضباطاً سابقين، وإعلاميين، وشخصيات عامة.
وتشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن الكويت تحوّلت من دولة تُعرف بهامش حرية نسبي مقارنة بجوارها الخليجي، إلى دولة تستخدم سلاح سحب الجنسية كأداة ردع ضد المخالفين سياسيًا أو فكريًا.
وترى هذه المنظمات أن توسيع تعريف “تقويض النظام” ليشمل أي نشاط سياسي أو رأي ناقد، أدى إلى تحويل الجنسية من حق أصيل إلى أداة ابتزاز سياسي، خصوصاً مع غياب محاكمات عادلة أو آليات طعن فعالة.
لماذا السويدان؟ دلالات تتجاوز الشخص نفسه
يطرح قرار سحب الجنسية من السويدان عدة أسئلة حول توقيته ودوافعه:
1. استهداف رموز الخطاب الإصلاحي
السويدان ليس ناشطاً سياسياً بالمعنى المباشر، لكنه صاحب تأثير فكري ملحوظ في الخليج، ودعوته للإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية جعلته ضمن فئة “المؤثرين” الذين تتحسّس الأنظمة من خطابهم.
2. رسالة سياسية داخلية
يأتي القرار في سياق حملة أكثر صرامة لفرض “الانضباط السياسي” داخل المجتمع، خصوصاً بعد التوترات التي شهدتها الكويت بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبعد تفكك المشهد السياسي التقليدي.
3. تماهي كويتي متزايد مع مناخ القمع الإقليمي
منذ الربيع العربي، شهدت دول الخليج –إلا قليلاً– تحوّلاً نحو تشديد القبضة الأمنية. الكويت، التي كانت في السابق تُعدّ أكثر انفتاحاً، باتت تتقارب تدريجياً مع سياسات دول خليجية أخرى تعتمد على التجريد من الجنسية كعقوبة سياسية.
تأثيرات القرار على صورة الكويت وسمعتها الحقوقية
تسبّب القرار في موجة استياء واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي، واعتبره ناشطون تراجعاً خطيراً في مساحة الحريات التي تميزت بها الكويت عقوداً. كما أثار مخاوف من أن تتحول الجنسية –التي يفترض أن تكون آخر خط دفاع لحماية المواطن– إلى سلاح تستخدمه السلطة بلا قيود.
وعلّقت منظمات حقوقية بأن القرار يصنع “سابقة خطيرة”، ويهدد مبدأ المواطنة المتساوية. فحرمان شخص من جنسيته ليس قراراً إدارياً عادياً، بل هو عقوبة وجودية تمسّ الهوية والحقوق الأساسية والحق في الإقامة والتنقل والعمل.
القمع الكويتي.. من الاستجوابات البرلمانية إلى استهداف المواطنين
خلال السنوات الماضية، لم تكتفِ السلطات بتقييد الحياة السياسية، بل اتجهت نحو إجراءات أكثر خشونة، منها:
- ملاحقة المغردين والكتاب بتهم “إساءة استخدام الهاتف” أو “الإساءة للذات الأميرية”.
- إغلاق بعض المنصات الإعلامية أو التضييق عليها.
- سحب الجنسيات بصورة واسعة وغير مسبوقة.
- فرض قيود على التجمعات والفعاليات العامة.
وهذه السياسات، وإن تمت تحت غطاء “حماية الأمن” أو “منع الفتنة”، إلا أنها أدت في الحقيقة إلى تآكل الحياة الديمقراطية وتراجع دور مجلس الأمة وفقدان المجتمع لمنابر التعبير الحر.
خاتمة: قرار يتجاوز السويدان ويكشف تحوّلاً مقلقاً
لا يمكن النظر إلى سحب الجنسية من طارق السويدان باعتباره إجراءً فردياً. فالقرار يأتي ضمن سلسلة ممنهجة تكشف عن تحوّل عميق في السياسة الكويتية نحو القمع الإداري وتكميم الأصوات المؤثرة.
ومع غياب الشفافية، واستمرار سحب الجنسيات بالجملة، وتوسيع دائرة التجريم السياسي، تبدو الكويت على عتبة مرحلة جديدة يتقلّص فيها ما تبقى من هوامش حرية، ويتعرض فيها المواطن –بغض النظر عن موقعه– لخطر فقدان أهم ما يملكه: هويته ذاته.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يهاجم عمدة نيويورك ويتحدّى تهديداته: “سآتي إلى نيويورك رغماً عنه”.. إصرار المجرم وتهافت الرواية الإسرائيلية