في تحول مفاجئ، أكدت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا أن الانتخابات البلدية ستُجرى هذا الشهر في المناطق كافة، بما في ذلك مدن الشرق والجنوب التي كانت تحت المنع بأوامر من قوات خليفة حفتر. الخطوة أثارت تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التراجع غير المتوقع من الرجل الذي طالما اتخذ مواقف عدائية تجاه أي عملية انتخابية قد تهدد سلطته العسكرية في شرق ليبيا.
وأعلنت المفوضية انطلاق الحملات الدعائية لمرشحي انتخابات المجالس البلدية للفترة ما بين 6 و16 أكتوبر/تشرين الأول، على أن تُجرى عملية الاقتراع في 18 أكتوبر للمجالس المنتهية ولايتها، ثم في 20 أكتوبر للمجالس المتبقية، لتشمل الانتخابات جميع المناطق دون استثناء.
هذا الإعلان يأتي بعد عامين من العراقيل التي فرضتها سلطات الشرق الليبي بإيعاز من حفتر، حيث منعت إجراء الانتخابات في 11 بلدية من بينها المرج والكفرة وجالو وأوجلة والجفرة، بدعوى “دواعٍ أمنية”، وهو ما اعتبره مراقبون حينها استمرارا لنهج تعطيل المؤسسات المنتخبة واستبدالها بمجالس تسييرية موالية للقيادة العامة.

تكتيك محسوب ورسالة للخارج
يرى مراقبون أن تراجع حفتر لا يعكس تحولا ديمقراطيا حقيقيا، بقدر ما يعكس مناورة تكتيكية مدروسة تحت ضغط دولي متصاعد.
المرشح لرئاسة الحكومة الليبية المقبلة عبدالحكيم بعيو أوضح أن السماح بإجراء الانتخابات البلدية يمثل “تحولا في الخطاب أكثر من كونه تحولا في القناعة”، مشيرا إلى أن حفتر يسعى لتوجيه رسالة للخارج مفادها أن “القيادة العامة ليست ضد الانتخابات، بل مع المسار الديمقراطي”، وذلك قبل إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا أمام مجلس الأمن.
ويضيف بعيو أن هذا التراجع جاء بعد ضغوط قوية من الأمم المتحدة وعدة دول غربية شددت على ضرورة السماح بالاستحقاقات المحلية باعتبارها خطوة أولى نحو توحيد المؤسسات وبناء شرعية قاعدية تمهّد للانتخابات العامة.
غير أن بعيو يرى أن “الانتخابات قد تبدو من الخارج سلسة ونزيهة، لكنها في العمق تدار بتأثير واضح من الأجهزة الأمنية والقيادة العسكرية”، موضحًا أن حفتر يحرص على ضمان ولاء الفائزين للمؤسسة العسكرية في الشرق. بمعنى آخر، “القبول بالانتخابات لا يعني التخلي عن السيطرة، بل إعادة إنتاجها بأدوات جديدة”.
دور الإمارات في دعم حفتر وإدامة الانقسام
وراء هذا التحول الظاهري، يلوّح مراقبون بأصابع الاتهام إلى الإمارات، الحليف الأبرز لخليفة حفتر، التي ما زالت تُتهم بلعب دور رئيسي في زعزعة استقرار ليبيا.
فمنذ عام 2014، قدمت أبوظبي دعما عسكريا واستخباريا ولوجستيا لجيش حفتر، عبر تزويده بالسلاح والطائرات المسيّرة، بل وتورطت تقارير أممية في إثبات نقلها معدات قتالية إلى شرق ليبيا رغم حظر التسليح المفروض من الأمم المتحدة.
اليوم، ومع الضغوط الأممية لاستكمال المسار الانتخابي، تحاول الإمارات الظهور بمظهر “الوسيط” بينما تواصل تحريك أدواتها العسكرية والإعلامية داخل البلاد لإطالة أمد الانقسام. فموافقة حفتر على الانتخابات البلدية في هذا التوقيت قد تعكس رغبة إماراتية في امتصاص الغضب الدولي، دون أن تتخلى عن مشروعها القائم على دعم سلطة عسكرية موازية للسلطة المدنية في طرابلس.
إذ إن أبوظبي تدرك أن استمرار العزلة الدولية عن حفتر سيضعف نفوذها في الملف الليبي، خاصة بعد انكشاف دعمها للانقلابات في السودان واليمن، ما يجعلها مضطرة لتغيير التكتيك دون تغيير الهدف.
ضغوط دولية واحتقان داخلي
تزامن التراجع مع تصاعد الضغوط الدولية والأممية في الأسابيع الأخيرة، إذ دعت المبعوثة الأممية ستيفاني خوري “تيته” جميع الأطراف إلى الالتزام بإجراء الانتخابات المحلية دون عراقيل، معتبرة أن تعطيلها يشكل “تهديدًا مباشرًا للمسار السياسي”.
وفي الوقت ذاته، يواجه حفتر ضغوطًا داخلية متزايدة نتيجة تراجع الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرته، ما أدى إلى تململ شعبي واضح في مدن مثل بنغازي وأجدابيا والبيضاء. وبالتالي، فإن السماح بالانتخابات قد يُستخدم كصمام أمان لامتصاص الغضب الشعبي دون المساس بالبنية العسكرية التي تحكم الشرق.
الناشط السياسي فرج فركاش من بنغازي يرى أن الخطوة “مناورة تكتيكية” هدفها “تخفيف الضغط الأممي وتقديم حفتر في صورة الشريك السياسي المتعاون، لا المعرقل”، مضيفا أن “المنافسة الانتخابية ستكون شكلية في بيئة يهيمن عليها النفوذ العسكري”.
ويحذر فركاش من أن “حفتر لن يتخلى عن أدواته الأمنية والإدارية، بل سيعيد تدويرها في المشهد الجديد، لضمان استمرار نفوذه في أي صيغة سياسية قادمة”.
بين تحسين الصورة والتحضير لمرحلة جديدة
من الواضح أن تراجع حفتر عن عرقلة الانتخابات البلدية ليس سوى جزء من تكتيك أوسع لإعادة تموضعه السياسي أمام المجتمع الدولي، خاصة بعد أن أصبحت صورته كـ“معرقل للمسار الديمقراطي” عبئًا على داعميه.
كما يُتوقع أن يحاول استثمار نتائج الانتخابات لتأكيد “الشرعية المحلية” لوجوده العسكري، مستخدمًا فوز مرشحين موالين له كدليل على قبوله الشعبي.
لكن، وبحسب محللين، فإن استمرار الدعم الإماراتي لحفتر، مقابل ضعف الدور الحكومي في طرابلس، سيُبقي ليبيا في دائرة الانقسام والابتزاز السياسي. فالإمارات التي كانت وراء دعم الهجوم على طرابلس عام 2019، لا تزال ترى في حفتر أداة لتأمين مصالحها في النفط والموانئ وإضعاف التيارات المدنية والإسلامية في البلاد.
وبينما تحاول الأمم المتحدة استئناف الحوار السياسي الشامل، فإن خطوات حفتر الأخيرة تُظهر أنه يتحرك وفق منطق “المرونة التكتيكية” لا “التحول الاستراتيجي”، وأن أي عملية انتخابية تحت سيطرته ستبقى رهينة لمعادلات القوة والسلاح لا لإرادة الناخبين.
خلاصة:
تراجع حفتر عن عرقلة الانتخابات البلدية يعكس مزيجًا من الضغوط الدولية، والمناورة السياسية، وتوجيهات إماراتية تسعى لتخفيف العزلة عن حليفها في الشرق الليبي. لكن جوهر المشهد لم يتغير: فالمؤسسة العسكرية التي بناها حفتر ما زالت أداة للتحكم في السلطة، لا ركيزة لبنائها. وبينما يحاول الظهور بمظهر “المنفتح”، فإن الطريق نحو انتخابات حقيقية في ليبيا ما زال طويلا، ما دامت أبوظبي تواصل دعم الانقسام بدلاً من دعم الدولة.
اقرأ أيضًا : ازدواجية المعايير البريطانية: حرية التعبير تُقمع عندما تتحدث باسم فلسطين