تشهد الساحة اليمنية تطورًا خطيرًا يعكس مرحلة جديدة من تفكيك الدولة وتفتيت مراكز القوة، بعد إعلان حلف قبلي جديد السيطرة على مناطق نفطية استراتيجية، في خطوة تؤكد أن النزاع اليمني يتحول تدريجيًا من حرب سياسية إلى صراع على الثروات، وأن أطرافًا خارجية — وعلى رأسها الإمارات — تدفع بقوة لإبقاء اليمن في دائرة الفوضى عبر إشعال نزاعات محلية محسوبة.

يأتي هذا الإعلان في وقت تتوسع فيه التحركات العسكرية والقبلية في شرق اليمن، حيث تسعى القوى المحلية إلى فرض نفوذها على موارد الطاقة، وسط ضعف الدولة المركزية وغياب أي أفق سياسي حقيقي. وبالنظر إلى السياق العام، يرى مراقبون أن هذا المشهد ليس معزولًا، بل هو امتداد لسياسة قديمة تتبعها أبو ظبي، تقوم على استخدام القبائل، المجالس المحلية، والمليشيات لتشكيل خارطة نفوذ خاصّة بها داخل اليمن، بما يضمن لها التحكم في موانئ، جزر، وحقول نفطية دون وجود سلطة يمنية قادرة على مواجهتها.

تحالف قبلي.. أم ذراع جديدة في حرب النفوذ؟

الإعلان عن السيطرة على حقول نفطية تحت مسمى “حلف قبلي” ليس مجرد حدث محلي، بل يمثل نقلة خطيرة في شكل إدارة الصراع. فالمسألة لم تعد تتعلق بخلاف على سلطة محلية أو مواجهة عسكرية مع جماعات معروفة، بل ظهرت قوى قبلية جديدة تعلن عن امتلاكها لمورد نفطي يمثّل عصب الاقتصاد اليمني.

هذا التحول في بُنية الصراع يعكس انهيار سلطة الدولة، ويفتح الباب أمام قوى خارجية — تتدخل بشكل ممنهج — لاستغلال هذه الانقسامات. وهنا تبرز الإمارات كلاعب أساسي يدفع نحو تشجيع مثل هذه التحالفات، لأنها تمنحها نفوذًا غير مباشر على المناطق الحيوية دون الحاجة لرفع أعلامها أو تحمل تكلفة الوجود العسكري المكشوف.

النفط.. الورقة الأهم في لعبة السيطرة

لا يمكن فصل هذا التحرك القبلي عن سباق مستعر لإعادة رسم خريطة التحكم بالطاقة في اليمن. فالمحافظات الشرقية — خصوصًا شبوة وحضرموت — تمثل الخزان الأكبر للنفط، والسيطرة عليها تعني امتلاك ورقة ضغط قادرة على التأثير في كل مسار سياسي أو اقتصادي مستقبلي.

إعلان أي حلف قبلي السيطرة على موارد نفطية يعني بالضرورة:

  1. تراجع دور الحكومة المركزية.

  2. تصاعد قوى موازية للدولة.

  3. دخول لاعبين خارجيين لتوجيه هذه القوى بما يخدم مصالحهم.

وهذا ما يحدث اليوم بشكل واضح؛ فمع كل خطوة من هذا النوع، تتسع المساحة التي تتحرك فيها الإمارات، التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكات نفوذ عبر ألوية ومليشيات ونخب قبلية مرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر.

استراتيجية التفكيك عبر “تعدد اللاعبين”

أحد أخطر أوجه التدخل الإماراتي في اليمن هو خلق عدد كبير من القوى المحلية المتنافسة، بحيث تصبح الدولة عاجزة عن فرض سلطتها على أي منطقة دون الاصطدام بقوة قبلية أو مسلحة تدّعي امتلاك الشرعية.

تقوم هذه الاستراتيجية على أربعة مسارات:

  • تفكيك المجتمع إلى كيانات أصغر.
  • دعم قوى محلية لتصبح منافسًا للدولة.
  • خلق نزاعات قبلية حول الموارد.
  • تقديم نفسها لاحقًا كـ“وسيط” لتهدئة الصراع.

إعلان السيطرة على حقول نفطية يدخل تمامًا في هذا الإطار، فهو يعيد إنتاج نموذج الجنوب حين دفعت الإمارات بقوى تابعة لها لتفتيت سلطة الحكومة الشرعية، وفرض نفوذها على المحافظات الساحلية والجزر، وصولًا إلى مناطق الإنتاج الحيوي.

انعكاسات مباشرة على مستقبل اليمن

هذا النوع من التحركات له نتائج مباشرة وخطيرة على مسار النزاع:

أولًا: التمهيد لحرب موارد
النفط ليس مجرد ثروة بل عامل تفجير. ومع ظهور حلف قبلي يسيطر على حقول نفطية، ستسعى قوى أخرى لانتزاع هذه السيطرة بالقوة. هذا يعني أن اليمن مقبل على مرحلة جديدة من الصراع، تختلف عن الحرب التقليدية بين أطراف سياسية، لتصبح حربًا قبلية اقتصادية تتداخل فيها المصالح الإقليمية.

ثانيًا: انهيار ما تبقّى من الدولة
وجود قوى قبلية تتحكم في النفط يلغي فكرة الدولة المركزية، ويحوّل كل منطقة إلى “إقطاعية” مرتبطة بداعم خارجي، وهذا ينسف أي محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ثالثًا: إطالة أمد الحرب لعقد إضافي
حين تتحول الثروة إلى ساحة صراع، يصبح التسوية مستحيلة. الأطراف التي تملك النفط لن تتخلى عنه، والأطراف التي لا تملكه ستقاتل للحصول عليه.

رابعًا: إدخال اليمن رسميًا في نموذج “الحرب الليبية”
أي تعدد حكومات، مليشيات، قبائل، وشركات نفطية خارج سيطرة الدولة.

الإمارات… لاعب يغيّر قواعد اللعبة

تاريخ التدخل الإماراتي في اليمن يظهر أن أبو ظبي لا تشعل النزاعات عبثًا، بل تديرها بطريقة تمنحها فائض قوة:

  • السيطرة على الموانئ.

  • النفوذ على الجزر الاستراتيجية.

  • تشكيل قوى محلية تدين لها بالولاء.

  • إدارة الصراع من الخلف لتجنب المسؤولية المباشرة.

اليوم، يبدو أن هدفها الجديد هو التحكم في حقول النفط عبر قوى قبلية تتبنى خطابًا مناطقيًا، وتتحرك بوصفها “حارسًا للثروة”، بينما هي في الحقيقة جزء من شبكة صراعات تخدم اللاعبين الإقليميين.

خاتمة: اليمن يدخل مرحلة أخطر

إعلان السيطرة القبلية على حقول نفطية ليس مجرد تطور عابر، بل هو مؤشر رسمي على أن اليمن يتجه نحو مرحلة أعمق من التفكك، حيث تتلاشى الدولة تمامًا، وتتحول الثروات إلى شرارات حرب جديدة.

وفي قلب هذا المشهد، تظهر الإمارات كقوة تدفع باتجاه مزيد من التفتيت، وتستغل تراجع الدولة اليمنية لإعادة رسم نفوذها عبر وكلاء محليين.

إن لم يتحرك اليمنيون لوضع حد لمثل هذه التحالفات، فسيصبح النفط — الذي كان يمكن أن ينقذ البلاد — هو الشرارة التي تحرق ما تبقّى منها.

اقرأ أيضًا : مسؤول أمريكي سابق: الإمارات حوّلت حرب السودان إلى ساحة تصفية معاركها مع الإخوان