كشف مسؤول أمريكي رفيع سابق في ملف السودان، شغل منصب مساعد المبعوث الخاص ومدير الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي، أن الإمارات لم تكن مجرد داعم لقوات الدعم السريع بالسلاح، بل لعبت دورًا «مزدوجًا وخطيرًا» في تحويل الصراع السوداني إلى معركة تخدم أجندتها الإقليمية.

وأكد المسؤول أن أبو ظبي قدّمت غطاءً دبلوماسيًا وسياسيًا واسعًا لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وسعت في العواصم الغربية والأفريقية إلى ترويج رواية مفادها أن الحرب في السودان ليست صراعًا على السلطة أو الموارد أو بنية الدولة، بل «معركة ضد جماعة الإخوان المسلمين». وهي رواية –بحسب المسؤول– لا تمتّ للواقع بصلة.

وشدّد المصدر على أن هذا الترويج لم يكن “خطأ تحليلًا”، بل «حملة منظمة تم تمويلها وتسويقها عبر شبكات ضغط وشركات علاقات عامة»، هدفها الأساسي إعادة تدوير حرب أهلية معقدة وتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإيديولوجية للإمارات.

تصفية حسابات إقليمية تحت غطاء الحرب

وأوضح المسؤول الأمريكي أن أبو ظبي تعاملت مع الحرب السودانية باعتبارها «قطعة جديدة في مشروعها الأكبر الهادف إلى القضاء على نفوذ الإسلام السياسي في المنطقة»، مشيرًا إلى أن الإمارات تستخدم أدوات عسكرية واقتصادية ودعائية لدعم قوات الدعم السريع، معتبرا أن الصراع تحوّل –بسبب ذلك– إلى «حرب بالوكالة» تُدار من خارج السودان.

وتابع: «الإمارات رأت في حميدتي حليفا مثاليا لمواجهة القوى التي تخشاها إقليميًا، واستثمرت في مشروعه العسكري والسياسي بشكل مباشر، وتصرّ على تصوير الجيش السوداني كامتداد للإخوان، رغم أن هذا الادعاء لا يستند إلى أي واقع»؛ وهو ما عدّه المسؤول «تشويها متعمدا» يهدف لإقناع واشنطن والعواصم الأوروبية بأن حسم الحرب لصالح الدعم السريع يصبّ في مصلحة مكافحة الإرهاب.

روبيو كسر الصمت… ثم جاء بولس ليُربك الرسالة

ولفت المسؤول الأمريكي إلى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قبل أسابيع اعتُبرت «لحظة فاصلة» لأنها المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول أمريكي رفيع بأن قوات الدعم السريع تتلقى أسلحة ودعما خارجيا يجب إيقافه فورًا.

روبيو، الذي تحدث عقب اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا، حذّر من أن الدعم المستمر للدعم السريع «يُطيل أمد الحرب ويُفاقم الجرائم»، مؤكدا استعداده لدعم تحركات الكونغرس لتصنيف الميليشيا «منظمة إرهابية». واعتُبر ذلك –وفق المسؤول الأمريكي– نقطة تحول كان يمكن أن تغيّر مسار الموقف الأمريكي برمّته.

لكن هذا الزخم، كما يقول، «تعرّض لانتكاسة كبيرة» بعد زيارة مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إلى أبو ظبي خلال الأيام الماضية، حيث ظهر متماهيًا مع الخطاب الإماراتي تجاه الأزمة، وخصّ حميدتي بإشارات إيجابية على حساب الجيش السوداني، ما أعطى الانطباع بأن واشنطن تتراجع عن مواقفها الأولية.

رسالة مزدوجة: تصريحات قوية… وسياسة مرتبكة

وأكد المسؤول أن موقف بولس «قوّض تماما الرسالة الحازمة التي حملتها تصريحات روبيو»، إذ بدا وكأن الإدارة الأمريكية تُرسل إشارات متناقضة: مسؤول يدين الدعم الخارجي للدعم السريع، وآخر يجلس في أبو ظبي ويبارك خطوة أحادية الجانب صادرة عن نفس الميليشيا.

وأشار إلى أن بولس، خلال مؤتمر صحفي في أبو ظبي، أعلن أن «الجيش السوداني وقوات الدعم السريع رفضا مقترحًا أمريكيًا لهدنة إنسانية»، قبل أن يرحّب بموافقة حميدتي على هدنة من جانب واحد. وهذا الطرح –وفق المسؤول– «يتجاهل واقع الميدان، ويمنح الدعم السريع مساحة إعلامية ودبلوماسية لا يستحقها».

البرهان يهاجم: ورقة أمريكية تُبقي الميليشيا وتلغي الجيش

وفي الخرطوم، شنّ رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان هجومًا لاذعًا على الورقة السياسية التي قدمها فريق بولس، واصفًا إياها بأنها «أسوأ ورقة» قُدمت منذ اندلاع الحرب.

وقال البرهان إن الورقة «تلغي وجود القوات المسلحة، وتطالب بحل الأجهزة الأمنية، بينما تُبقي قوات الدعم السريع في مواقعها»، وهو ما اعتبره «إلغاءً للدولة» وليس مجرد طرح سياسي.

ويرى محللون أن ردّ البرهان يعكس حالة عدم الثقة المتزايدة بين القيادة السودانية والولايات المتحدة، نتيجة ما تعتبره الخرطوم «انحيازًا أمريكيًا لمشروع إماراتي يهدد بقاء الدولة السودانية».

واشنطن بين ضغط الكونغرس ونفوذ أبو ظبي

يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تكشف عن تناقض داخل الإدارة الأمريكية نفسها:

  • جناح يشدد على ضرورة وقف تسليح الدعم السريع وفرض عقوبات صارمة.

  • وجناح آخر يتجنب الصدام مع الإمارات التي تمتلك أوراق ضغط اقتصادية وسياسية كبيرة في واشنطن.

ويشير المسؤول الأمريكي السابق إلى أن استمرار الدور الإماراتي في السودان لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وتوسيع رقعة الحرب، وتمديد معاناة المدنيين، خصوصًا أن الحرب تحولت إلى صراع إقليمي مفتوح تديره أطراف من خارج الحدود.

خلاصة: حرب بالوكالة تقودها أبو ظبي.. وواشنطن مرتبكة

يخلص المسؤول الأمريكي إلى أن الإمارات «حوّلت حرب السودان من نزاع داخلي إلى ساحة لتصفية خصومها الإيديولوجيين»، وأن واشنطن تبدو عاجزة أو غير راغبة في اتخاذ موقف حاسم يوقف تدفق السلاح ويمنع انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر دموية.

ويحذر من أن استمرار هذا المسار سيجعل السودان «رهينة لمشاريع خارجية»، ويُهدد المنطقة بأكملها، ما لم تتخذ الولايات المتحدة قرارًا واضحًا بفصل مصالحها عن أجندة الإمارات و«التعامل مع الحرب بوصفها أزمة إنسانية وسياسية لا معركة إيديولوجية».

اقرأ أيضًا : تونس: أحكام “التآمر” تفضح قمع قيس سعيّد للمعارضة