في مشهد جديد من مشاهد الفوضى التي يعيشها السودان منذ أكثر من عام ونصف، شنّت قوات الدعم السريع هجمات بطائرات مسيرة على مدينة سنار ومطار الخرطوم الدولي، في تصعيد يهدد بانزلاق البلاد نحو مرحلة أكثر دموية. وبينما توعد قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) باستهداف أي طائرة أو مطار ينطلق من مناطق سيطرة الجيش أو حتى من “دول جارة”، حاول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الردّ برسائل تحدٍ من قلب مطار الخرطوم، مؤكداً أن “لا مكان للمرتزقة” في مستقبل السودان.

لكن خلف هذا التصعيد الميداني، تتكشف ملامح صراع إقليمي تتورط فيه أطراف خارجية، أبرزها الإمارات، التي وُجّهت إليها أصابع الاتهام مراراً بتزويد قوات حميدتي بالمسيرات والأسلحة الحديثة، في محاولة لتكريس نفوذها في قلب القارة الإفريقية عبر وكلاء الحرب.

هجمات بطائرات مسيّرة وتلويح باستهداف دول الجوار

وفق مصادر أمنية وحكومية تحدثت لقناة الجزيرة، فإن ثلاث طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع هاجمت أطراف مطار الخرطوم الدولي، محدثة أضراراً وإصابات محدودة، قبل أن تتصدى لها الدفاعات الجوية للجيش. كما شنت القوات نفسها غارات مماثلة على مدينة سنار، كبرى مدن الولاية الواقعة جنوب شرق البلاد، مستهدفة منشآت مدنية وعسكرية على حد سواء.

الهجوم حمل رسالة واضحة من حميدتي، الذي خرج في خطاب متلفز متوعداً بأن “أي طائرة أو مسيرة تقلع من مناطق سيطرة الجيش السوداني أو من أي دولة جارة ستكون هدفاً مشروعاً”، في تهديد ضمني يشمل أراضي دول مثل تشاد أو إثيوبيا وربما حتى مصر. هذه اللهجة الحربية تُعد الأخطر منذ شهور، وتعكس تصعيداً غير مسبوق في نبرة قائد المليشيا التي تتهمها الأمم المتحدة بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

ورغم تأكيد حميدتي أن قواته “لن تستهدف المدنيين” في مناطق الجيش، فإن الوقائع على الأرض تُكذّب هذه الوعود، حيث تواصل طائرات الدعم السريع قصف المدن والقرى، مسببة خسائر بشرية ومادية فادحة، وسط غياب شبه كامل لأي ردع دولي فعّال.

البرهان يرد من المطار: لا دور للمرتزقة

في المقابل، سعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، إلى إرسال رسالة رمزية بزيارته لمطار الخرطوم بعد الهجوم، حيث ظهر محاطاً بقيادات عسكرية وهو يؤكد أن “الجيش سيقضي على التمرد” وأنه “لن يكون هناك مكان للمرتزقة ومن يساندهم في مستقبل السودان”.

البرهان استخدم مصطلح “المرتزقة” في إشارة إلى مقاتلي الدعم السريع الذين تضم صفوفهم عناصر أجنبية من تشاد والنيجر ومالي، وفق تقارير استخباراتية متقاطعة. غير أن الاتهام يمتد، بحسب مراقبين، إلى أطراف إقليمية يُعتقد أنها تمول وتسليح قوات حميدتي وعلى رأسها الإمارات، التي تُتهم بمدّ المليشيا بطائرات مسيرة متطورة تُستخدم في مهاجمة مواقع الجيش السوداني ومخيمات المدنيين في دارفور والخرطوم.

تصريحات البرهان جاءت بالتوازي مع نقاشات حكومية حول إمكانية استئناف عمل المطار يوم الأربعاء، وهي خطوة تراها مصادر أمنية “مجازفة كبيرة” في ظل استمرار تهديدات حميدتي باستهداف أي مطار في مناطق سيطرة الجيش.

الإمارات.. المتهم الخفي في تغذية الحرب

تتزايد الأدلة التي تشير إلى تورط الإمارات في دعم قوات الدعم السريع منذ الأشهر الأولى للحرب. فبحسب تقارير نشرتها وول ستريت جورنال وبلومبيرغ، نقلت طائرات شحن إماراتية أسلحة وذخائر من مطارات ليبية وتشادية إلى السودان لصالح قوات حميدتي، تحت غطاء “مساعدات إنسانية”. كما أظهرت صور أقمار صناعية وجود رحلات متكررة بين قاعدة عسكرية إماراتية في مدينة العوينات الليبية ومناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور.

ويرى محللون أن هذه الإمدادات الإماراتية تمثل “شريان الحياة” لقوات حميدتي، خصوصاً بعد سيطرة الجيش السوداني على الموانئ البحرية وخطوط الإمداد الرئيسية. ويعتبر مراقبون أن أبوظبي تسعى من خلال دعمها لحميدتي إلى بناء نفوذ عسكري في منطقة القرن الإفريقي والسيطرة على طرق التجارة والذهب عبر دارفور وصولاً إلى البحر الأحمر.

الفاشر.. المدينة المحاصرة والمأساة المستمرة

بينما يتبادل الطرفان القصف والاتهامات، يعيش المدنيون في مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. فقد أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح أكثر من ألف شخص خلال يومين فقط نتيجة تفاقم انعدام الأمن واستمرار الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع منذ مايو/أيار الماضي. وسبق أن نزح أكثر من 1500 شخص خلال أسبوع واحد منتصف الشهر الجاري، في ظل عجز المنظمات الإنسانية عن إيصال المساعدات بسبب القتال.

وتعد الفاشر اليوم رمزاً لمأساة السودان؛ مدينة محاصرة تتلاشى فيها فرص الحياة، فيما يتبادل طرفا الصراع الخطابات عن “الشرعية” و”الوطنية”. وبينما يصر البرهان على أن لا مكان “للعملاء والمرتزقة”، يتحدث حميدتي عن “الدفاع الشرعي عن النفس”، لتبقى الحقيقة أن المدنيين هم الضحايا الوحيدون في حربٍ غذّتها طموحات جنرالات الداخل وأموال الإمارات من الخارج.

خاتمة: حرب بالوكالة تمزّق السودان

بعد أكثر من 18 شهراً من الحرب، يبدو أن السودان تحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تتنافس قوى خارجية — وفي مقدمتها الإمارات — على النفوذ والثروة، بينما يُدفع الشعب السوداني إلى هاوية جديدة من الجوع والنزوح والدمار.

وبينما تتحدث القيادات عن “السلام” و”الوطنية”، يتصاعد دخان المسيرات فوق الخرطوم وسنار والفاشر، شاهداً على حربٍ لا رابح فيها سوى من يصنع الطائرات ويبيعها لمن يقتل بها أبناء وطنه.

اقرأ أيضًا : وزيرة إسرائيلية تدعو لإحراق جثة السنوار.. وجه جديد لوحشية الاحتلال