أعادت وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف إشعال موجة غضب جديدة بعد تصريحاتها التي اقترحت فيها على المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) إحراق جثة القائد السابق لحركة حماس في غزة، يحيى السنوار، في خطوة تعكس عمق التحريض الرسمي داخل المؤسسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين حتى بعد موتهم.
وقالت ريغيف، خلال لقاء مع موقع كول باراما الإسرائيلي، إنها “اقترحت في الكابينت حرق جثمان يحيى السنوار مثلما أحرق الأميركيون أسامة بن لادن”، في تشبيه يفضح الخلط المقصود بين مقاوم فلسطيني يقاتل الاحتلال على أرضه، وزعيم لتنظيم عابر للحدود.
ورغم أن ما ذكرته الوزيرة غير دقيق تاريخيًا – إذ إن الولايات المتحدة لم تحرق جثة بن لادن، بل ألقتها في البحر بعد مقتله عام 2011 – فإن دلالات تصريحها لا يمكن فصلها عن ثقافة إسرائيلية متجذرة في إذلال الفلسطينيين وسلب كرامتهم حتى بعد الموت، وهي ثقافة تُمارَس فعليًا منذ عقود من خلال احتجاز مئات الجثامين في مقابر الأرقام أو في ثلاجات الاحتلال، كجزء من سياسة العقاب الجماعي وطمس الرموز الوطنية.

من “الاغتيال” إلى “الإحراق”.. تصعيد في الخطاب الرسمي الإسرائيلي
اغتيل يحيى السنوار في أكتوبر/تشرين الأول 2024، في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، أثناء قتالٍ عنيفٍ في الميدان، بعد عامٍ من اندلاع عملية “طوفان الأقصى” التي غيّرت موازين الصراع بين حماس وإسرائيل. ومنذ ذلك الحين، تحتفظ إسرائيل بجثته وترفض تسليمها ضمن أي صفقة تبادل أسرى أو اتفاق سياسي، ما يجعل تصريح ريغيف امتدادًا طبيعيًا لسياسة الانتقام المستمرة ضد المقاومة الفلسطينية.
ورغم أن بعض الوزراء في الكابينت – بحسب ما قالت – لم يعلقوا على اقتراحها، فإن صمتهم يُقرأ كقبول ضمني لهذا النوع من الخطاب المتطرف، الذي يعزز نزعة الانتقام لا القانون، ويكشف أن كثيرًا من الوزراء الإسرائيليين يتبنون عقلية “الإبادة الرمزية” للمقاومة، لا مجرد القضاء العسكري عليها.
هذا الخطاب يأتي في وقتٍ يُفترض أن تشهد فيه إسرائيل مرحلة جديدة من “الهدوء النسبي” بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تضمنت وقف القتال، انسحابًا تدريجيًا للجيش الإسرائيلي من غزة، وإطلاقًا متبادلًا للأسرى، وإدخال المساعدات إلى القطاع. لكنّ تصريحات ريغيف، وغيرها من وزراء اليمين المتطرف، تؤكد أن ذهنية الحرب لم تنته داخل المؤسسة الحاكمة، وأن إسرائيل لا تزال ترى في إذلال العدو أداة لتحقيق “الردع النفسي” بعد فشلها في تحقيق نصر ميداني حاسم.
الرمز المقاوم الذي يخشاه الاحتلال حتى بعد رحيله
شكل يحيى السنوار، منذ خروجه من سجون الاحتلال عام 2011 في صفقة “وفاء الأحرار”، رمزًا فلسطينيًا للمقاومة الصلبة، إذ كان من أبرز مهندسي الردع الميداني في غزة، ومن أكثر القادة ارتباطًا بفكرة أن “المقاومة ليست تنظيمًا، بل ثقافة متوارثة”.
ولذلك، فإن الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بجثته ورفض دفنه لا ينفصل عن خوف رمزي من تحوّله إلى أسطورة وطنية في الوعي الفلسطيني والعربي. فدفنه يعني منح الغزيين فرصة لتشييعه كبطل، وتحويل جنازته إلى مظاهرة تحدٍّ جماعي، وهو ما تخشاه تل أبيب بشدة في ظل حالة الانقسام الداخلي التي تعصف بها.
ويكشف اقتراح ريغيف عن نزعة انتقامية عميقة تمارسها إسرائيل ضد “رموز المقاومة”، وكأن موتهم لا يكفيها. فحتى الجثامين أصبحت ميدانًا للسيطرة والتفاوض، وأداة ضغط سياسي وإنساني، في انتهاكٍ صارخٍ لكل القوانين الدولية التي تحظر التمثيل بالجثث أو احتجازها بعد القتل.
اتفاق هشّ وذهنية لا تعرف السلام
في حديثها عن اتفاق وقف إطلاق النار، ربطت ريغيف تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق باستعادة جثث “المختطفين القتلى”، قائلة: “ما لم تصل جثة آخر المختطفين القتلى إلى إسرائيل، فلن تدخل المرحلة الثانية من الاتفاق حيز التنفيذ”.
بهذا التصريح، تُعيد الوزيرة اليمينية فتح باب الشروط التعجيزية التي تُهدد بانهيار الاتفاق الهشّ أصلًا، وتحوّل المسار السياسي إلى ساحة مساومات على الجثث لا على الحلول.
كما ادعت ريغيف أن إسرائيل تمتلك “مؤشرات حول معظم أماكن وجود الجثامين”، مضيفة: “ربما نعرف أكثر من حماس التي لا تلتزم بالاتفاقيات باستمرار”. لكن هذه التصريحات، كما يرى محللون إسرائيليون، تعكس أزمة ثقة داخل القيادة، إذ تحاول الحكومة تبرير تباطؤها في تنفيذ الاتفاق أمام الرأي العام الغاضب، من خلال اتهام المقاومة بعدم الالتزام.
وفي جوهر الأمر، يبدو أن إسرائيل لم تتخلّ بعد عن عقلية الانتقام، فهي تتحدث عن “إحراق جثة” في الوقت الذي يُفترض أن تتحدث فيه عن “إعادة الإعمار” أو “تبادل الأسرى” أو “تثبيت التهدئة”. وهذه المفارقة تفضح فشلها في الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السياسة.
خاتمة: الاحتلال لا يحترم الموتى.. فكيف يحترم الأحياء؟
تصريحات ميري ريغيف ليست مجرد زلة لسان سياسية، بل هي انعكاس صارخ لوحشية الاحتلال الإسرائيلي الذي يفاخر بانتهاك القيم الإنسانية والدينية. فالحديث عن “حرق جثة السنوار” يعبّر عن رغبة دفينة في محو الذاكرة الفلسطينية، وتحويل الصراع من مواجهة على الأرض إلى صراع على الرموز، حيث يسعى الاحتلال إلى قتل الجسد ثم محو الأثر.
ومع أن السنوار رحل جسدًا، فإن كلماته وموقفه ظلّت تلهم جيلًا جديدًا من المقاومين الذين يرون في تصرفات الاحتلال اليوم دليلاً إضافيًا على فشله في كسر إرادة الفلسطينيين.
وهكذا، بينما تتحدث إسرائيل عن “الردع” و”الأمن”، تكشف وزراؤها عن الوجه الحقيقي لدولةٍ تخاف من الموتى أكثر من خوفها من الأحياء، لأن في كل جسد فلسطيني محجوز، هناك رواية لم تكتمل، وشهادة تفضح الجريمة التي لا تنتهي.
اقرأ أيضًا : المقاومة تلتزم واتفاق شرم الشيخ يُخرق.. حماس توثّق جرائم الاحتلال وتطالب بمحاسبته