من جديد يعود اسم الفاشر إلى واجهة الكارثة الإنسانية في السودان، وهذه المرة عبر تقرير صادم لمنظمة العفو الدولية يكشف شهادات حيّة ودامية لناجين من جرائم قوات الدعم السريع، والتي تحولت – بدعم خارجي وخاصة من الإمارات وفق تقارير متعددة – إلى ماكينة قتل وخطف واغتصاب وتهجير ممنهج، في واحدة من أبشع الوقائع التي شهدها إقليم دارفور منذ بداية الحرب في أبريل/نيسان 2023.

ويقدّم التقرير روايات موجعة تفضح حجم الانهيار الأمني، وتؤكد أن ما حدث لم يكن اشتباكات عابرة أو تجاوزات فردية، بل عملية منظمة تستهدف المدنيين بالرصاص والانتهاك والإبادة النفسية والجسدية. ومن بين هذه الشهادات ما رواه خليل (34 عامًا)، الذي تمكن من الفرار من الفاشر مشيًا على الأقدام مسافة 68 كيلومترا إلى بلدة الطويلة، قبل أن يسرد للعفو الدولية تفاصيل ما وصفه بأنه “فصل جهنمي لا يمحى من الذاكرة”.

يقول خليل إن عناصر المليشيا أوقفوا السيارات التي كانت تقل 20 رجلاً، وأجبروهم على النزول، ثم فتحوا النار عليهم بدم بارد، ما أدى إلى مقتل 17 منهم على الأقل. ويضيف: “كانوا يقتلون الناس كأنهم ذباب”. لم يجد خليل وسيلة للنجاة سوى التظاهر بالموت بين الجثث حتى انسحب المسلحون.

اختطاف مقابل الفدية وإعدامات أمام الكاميرا

لكن شهادة خليل ليست سوى جزء من الصورة الأكثر قتامة. فبحسب تقرير العفو الدولية، أدلى 28 ناجيًا بشهادات متطابقة حول ممارسة الدعم السريع لجرائم قتل واختطاف وابتزاز واغتصاب، ووصفت المنظمة هذه الممارسات بأنها “جرائم حرب تستوجب المحاسبة العاجلة”.

ويروي بدر (26 عامًا) تفاصيل مرعبة أخرى، حين اختطفته قوات الدعم السريع مع خمسة آخرين أثناء انتقالهم مع مسنين خارج المدينة على متن شاحنة صغيرة. ويقول: “أوقفونا، ثم أعدموا كبار السن بالرشاشات أمام أعيننا، وبعدها طلبوا من عائلتي فدية بقيمة 8 آلاف دولار”. الأسوأ أن من لم تستطع عائلته الدفع تم إعدامه رميًا بالرصاص أمام الكاميرا بينما كانت أسرته تتابع المشهد القاتل.

هذه الرواية تعكس نمطًا جديدًا في ممارسات الدعم السريع: الاختطاف كصناعة حرب، وبيع الحياة مقابل المال، وتحويل الموت إلى وسيلة إذلال وترويع اجتماعي واسع النطاق.

اغتصاب جماعي.. والنساء في قلب الجحيم

أما النساء والفتيات فكنّ الهدف الأكثر هشاشة والأكثر تعرضًا للانتهاكات. كلثوم (29 عامًا) تحدثت عن جرائم الاغتصاب التي وقعت في مخيم زمزم بعد فصل النساء عن الرجال. وتقول: “تعرضت للاغتصاب عدة مرات. فصلوا الأصغر سنًا واختاروا نحو 11 امرأة، وكل من خضعت للتفتيش تعرضت لنفس الشيء”.

هذه الشهادات تؤكد أن الاغتصاب كان أداة ممنهجة للسيطرة والإذلال، وليس تصرفًا عشوائيًا، وهو ما يصنفه القانون الدولي كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وتدعو الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، إلى فتح تحقيق شامل ووقف الهجوم الوحشي على المدنيين في الفاشر، مؤكدة أن ما يجري يتجاوز المعارك إلى مستوى الإبادة الاجتماعية والنفسية.

سياق الحرب.. ودور الإمارات المظلل

تأتي هذه الشهادات بينما تشهد ولايات كردفان الثلاث اشتباكات متصاعدة بين الجيش والدعم السريع، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسرع موجات النزوح في العالم.

لكن العنصر الذي لا يمكن تجاهله – ويزداد حضوره في تقارير الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الغربية – هو الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال والغطاء اللوجستي، عبر مسارات تهريب تمتد من ليبيا وتشاد وحتى البحر الأحمر. هذا الدعم، وفق منظمات حقوقية، مكّن حميدتي من مواصلة الحرب، وتحوّل إلى الوقود الرئيسي لجرائم الفاشر وغيرها من المدن المنكوبة.

وبينما تنكر أبوظبي، تؤكد الأدلة الأرضية – من الذخائر إلى الطائرات المسيّرة – أن الدعم السريع لم يكن ليستمر دون هذا الإسناد. وهو ما يجعل الحديث عن “شهادات مروّعة” لا يخص المليشيا وحدها، بل يمتد إلى من يمول، ومن يسلّح، ومن يغض الطرف دوليًا.

خلاصة

تقرير العفو الدولية ليس وثيقة حقوقية فقط، بل شهادة تاريخية تثبت أن ما يحدث في الفاشر جرائم حرب مكتملة الأركان، وأن صمت المجتمع الدولي يمثل شراكة غير مباشرة، وأن استمرار الدعم الخارجي – وعلى رأسه الإماراتي – يعني المزيد من المقابر، والمزيد من الاغتصاب، والمزيد من النزوح.

إن العدالة الحقيقية لن تبدأ بمحاسبة الجناة في الميدان فقط، بل بمحاسبة الذين وفّروا لهم السلاح، والمال، والغطاء السياسي.. فالسودانيون لم يهربوا من الفاشر خوفًا من المليشيا وحدها، بل خوفًا من شبكة إقليمية حولت دارفور إلى ساحة مفتوحة للموت والابتزاز والإبادة.

اقرأ أيضًا : نشطاء بريطانيون يتحدّون الاعتقال دعما لـ”فلسطين أكشن”.. مواجهة مفتوحة مع حكومة تُتهم بالتواطؤ