في مشهد تصاعدي يعكس التحولات المتسارعة داخل الشارع البريطاني تجاه حرب غزة، نظّم أكثر من خمسين ناشطًا وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الداخلية في لندن، رفضًا لقرار الحكومة تصنيف حركة “فلسطين أكشن” كمنظمة “إرهابية”. المتظاهرون لم يكتفوا بإعلان دعمهم العلني للحركة، بل رفعوا لافتات تحمل شعارات تحدٍ مباشر لقوانين مكافحة الإرهاب، في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أكثر التحركات جرأة داخل بريطانيا منذ بدء العدوان الإسرائيلي.

تحدٍ معلن للقانون.. ورسالة محسوبة

رغم وضوح المخاطر القانونية، فإن الناشطين أكدوا — أمام كاميرات الإعلام وقوات الشرطة — أنهم على استعداد لدخول السجن دفاعًا عن حقهم في الاحتجاج، معتبرين أن الحكومة تستخدم قوانين الإرهاب لقمع التضامن مع فلسطين، وليس لحماية الأمن القومي.

وشدد المحتجون على أن قرار الحظر يأتي ضمن مسار سياسي يهدف إلى خنق الأصوات المعارضة للدعم البريطاني العسكري واللوجستي لإسرائيل، خصوصًا مع تزايد الاتهامات الدولية بأن ما يجري في غزة يرتقي إلى الإبادة الجماعية.

فلسطين أكشن.. لماذا تستهدفها الحكومة؟

حركة “فلسطين أكشن” اشتهرت خلال السنوات الماضية بتنظيم عمليات عصيان مدني مباشرة ضد مصانع ترتبط بإنتاج مكونات عسكرية تُصدّر لإسرائيل، وعلى رأسها منشآت شركة “إلبت سيستمز” الإسرائيلية التي توفر تقنيات مستخدمة في الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستهداف.

وقد نجحت الحملة في إغلاق بعض مواقع الشركة داخل بريطانيا، ما جعلها محط انزعاج حكومي واضح وضغط من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.

قرار التصنيف لم يكن معزولًا عن هذا السياق؛ إذ يرى مراقبون أن الحكومة تسعى إلى تجريم أي تحرك فعّال قد يعرقل تدفق الصناعات الدفاعية المرتبطة بإسرائيل، خاصة في ظل ارتفاع الأصوات المطالِبة بوقف تصدير الأسلحة للجيش الإسرائيلي.

الحكومة تحت النار: اتهامات بالتورط في الجرائم

اللافت في الوقفة الاحتجاجية أن شعاراتها لم تقتصر على الدفاع عن حرية التعبير، بل ذهبت أبعد من ذلك، باتهام بريطانيا بأنها شريك في جرائم الحرب التي تُرتكب في غزة، عبر تزويد الاحتلال بالتكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية.

وأكّد المشاركون أن لندن تتجاوز دور المراقب إلى دور المنخرط سياسيًا وعسكريًا في الحرب، مشيرين إلى أن:

  • وزارة الدفاع البريطانية أقرت بوجود طواقم عسكرية تعمل في إسرائيل،

  • ووزارة التجارة تواصل إصدار تراخيص تصدير حساسة،

  • والحكومة ترفض الاعتراف بجرائم الإبادة رغم تقارير الأمم المتحدة.

هذا الخطاب يعكس — بحسب باحثين قانونيين — انتقال الحركة التضامنية من مستوى إنساني إلى مستوى اتهامي مباشر للدولة البريطانية نفسها.

جلسة المراجعة القانونية.. معركة فاصلة

الاحتجاج جاء قبيل جلسة مراجعة قانونية لقرار حظر “فلسطين أكشن”، وهو ما منحه رمزية إضافية.

المحامون يجادلون بأن القرار ينتهك:

  • قانون حقوق الإنسان البريطاني،

  • حق التعبير السياسي،

  • حق المعارضة المدنية،

  • وأن تعريف “الإرهاب” تم توسيعه بصورة خطرة.

وفي حال ألغت المحكمة القرار — وهو احتمال قائم بسبب السوابق القضائية — فإن الحكومة ستواجه إحراجًا سياسيًا كبيرًا، وستتلقى الحركة دفعة معنوية ضخمة.

انقسام داخلي.. وتداعيات مستقبلية

التحركات الأخيرة تكشف حجم الانقسام داخل المجتمع البريطاني:

  • الجامعات تشهد اعتقالات للطلاب الداعمين لفلسطين،

  • النقابات العمالية تنتقد السياسات الحكومية،

  • الكنائس والهيئات الدينية تتهم الحكومة بالتضييق،

  • واستطلاعات الرأي تظهر تراجعًا غير مسبوق في ثقة الجمهور بإدارة الملف.

هذا الانقسام يتقاطع مع أزمة سياسية أوسع يعيشها حزب المحافظين، الذي يتعرض لضغوط من اليمين المؤيد لإسرائيل، ومن الشارع الغاضب من الحرب.

جرائم بريطانيا.. ملف يتضخم

الناشطون لم يترددوا في الإشارة إلى سجل بريطانيا التاريخي والاستعماري، معتبرين أن دعم إسرائيل اليوم امتداد لذات العقلية الإمبراطورية، وذكّروا بدور لندن في:

  • وعد بلفور،

  • تسليح إسرائيل في العقود الماضية،

  • المشاركة في حروب الشرق الأوسط،

  • حماية الاحتلال دبلوماسيًا في مجلس الأمن.

وذهب بعض المتحدثين إلى القول إن بريطانيا تُعيد إنتاج الجريمة عبر تسهيل قتل الفلسطينيين وتجريم من يعارض ذلك.

خاتمة.. معركة الإرادة لا القانون

ما جرى أمام وزارة الداخلية لم يكن مجرد احتجاج، بل تحدٍّ سياسي وقانوني وأخلاقي، يعكس تحوّل الحراك المؤيد لفلسطين داخل بريطانيا من التعاطف إلى المقاومة المدنية المنظمة.

ومع اقتراب جلسة المراجعة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من فرض الصمت، أم أن الشارع البريطاني سيواصل كسر الطوق الأمني والإعلامي، ويفرض قراءة جديدة لدور بريطانيا في حرب غزة.

اقرأ أيضًا : اغتيال الطبطبائي.. خرق جديد للهدنة يكشف تصعيد الاحتلال وإصراره على جرّ لبنان إلى حرب مفتوحة