بينما تغرق البلاد في أتون حرب طاحنة منذ أبريل/نيسان 2023، أعلن عضو مجلس السيادة السوداني ورئيس تجمع قوى تحرير السودان عبد الله يحيى، أن المرحلة المقبلة من عمليات الجيش ستبدأ بتحرير شمال كردفان، تليها فك الحصار عن مدينة الفاشر، تمهيدًا لتحرير دارفور بالكامل من قبضة قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.
جاءت هذه التصريحات خلال زيارة تفقدية للخطوط الأمامية بمحور العمليات في شمال كردفان، حيث أكد يحيى أن “المعركة تتجه نحو نهايتها، وهزيمة العدو ودحره مسألة وقت لا أكثر”. هذه اللهجة الواثقة تعكس تحوّلًا في خطاب الجيش السوداني بعد شهور من الانكسارات والاشتباكات المتقطعة في مناطق واسعة من الإقليم المنكوب.

المعارك تشتدّ.. والفاشر تحت النار
في الوقت الذي أعلن فيه يحيى عن “مرحلة التحرير”، تشهد مدينة الفاشر – آخر المدن الكبرى في دارفور الخارجة عن سيطرة الدعم السريع – تصعيدًا هو الأعنف منذ أشهر، حيث تسعى قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” للسيطرة عليها بالكامل.
مصادر طبية محلية أفادت بمقتل ما لا يقل عن 20 مدنيًا خلال 24 ساعة فقط، نتيجة قصف قوات الدعم السريع على مستشفى المدينة، أحد آخر المرافق الطبية العاملة وسط حصار خانق يقطع الغذاء والدواء عن مئات الآلاف من المدنيين.
الهجوم المتكرر على المستشفيات والمراكز الإنسانية جعل الفاشر “مشرحة مفتوحة تنزف من كل الجهات”، وفق وصف الناشطين، فيما أكدت مصادر أممية أن ما يجري هناك “يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان”.
الهجوم على المستشفى هو الثاني خلال يوم واحد فقط، في استمرار واضح لاستراتيجية “الأرض المحروقة” التي يتبعها الدعم السريع، المعتمد – بحسب تقارير استخباراتية غربية – على دعم مالي وعسكري من أبوظبي، يشمل إمدادات بالمسيرات والأسلحة الخفيفة ونقل الإمدادات عبر الحدود الليبية والتشادية.
الإمارات.. الممول الخفي في صراع دارفور
رغم النفي المتكرر من قبل أبوظبي، إلا أن تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و“بلينغكات” أكدت تورط الإمارات في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع عبر شبكات تهريب معقّدة.
ووفقًا لتلك التقارير، وصلت طائرات شحن إماراتية إلى قواعد جوية في تشاد خلال الأشهر الماضية، تحمل معدات عسكرية قُدمت بشكل غير مباشر إلى قوات حميدتي. الهدف المعلن “مساعدات إنسانية”، لكن المضمون الحقيقي كان تسليحًا لطرف واحد في الحرب، مما أطال أمد النزاع وزاد من معاناة المدنيين.
ويعتبر مراقبون أن استمرار هذا الدعم يعكس الرغبة الإماراتية في ترسيخ نفوذها داخل السودان عبر وكلاء محليين، على غرار نموذجها في ليبيا واليمن. فدارفور الغنية بالذهب تمثل للإمارات أهمية اقتصادية كبرى، إذ تسيطر شركات تابعة لحميدتي على مناجم الذهب التي تموّل جزءًا من عمليات الدعم السريع.
كارثة إنسانية بحجم قارة
الحرب التي بدأت كصراع على السلطة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه السابق حميدتي، تحولت إلى مأساة إنسانية شاملة.
وفقًا للأمم المتحدة، خلّفت المعارك عشرات آلاف القتلى وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ، في حين يعيش نحو 25 مليون سوداني – أي نصف السكان – في حالة جوع حاد، ما يجعلها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم”.
ويصف خبراء الإغاثة الوضع في دارفور بأنه “إبادة بطيئة”، خصوصًا مع تعمّد الدعم السريع حصار المدن وقطع الإمدادات عنها، بينما يُتهم الجيش بالاعتماد على القصف العشوائي، ما زاد من حجم الخسائر البشرية والمادية.
خطاب النصر أم رفع المعنويات؟
يرى محللون أن تصريحات عبد الله يحيى حول “تحرير شمال كردفان والزحف نحو دارفور” تمثل محاولة لرفع الروح المعنوية لقوات الجيش، وإعادة رسم صورة “المبادِر لا المدافع”، بعد شهور من فقدان مناطق إستراتيجية لصالح الدعم السريع.
لكن السؤال الأهم: هل يستطيع الجيش تنفيذ هذا الوعد وسط واقع ميداني متدهور وانقسام داخلي وتدخلات إقليمية متشابكة؟
في هذا السياق، يشير الباحث السوداني المقيم في نيروبي، عبد الرحمن إدريس، إلى أن “المعركة في دارفور لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية ودبلوماسية، لأن السيطرة على الإقليم تعني التحكم في مفاتيح السودان المستقبلية”. ويضيف أن “الإمارات تلعب دورًا خفيًا لكنها حاسم في ميزان القوة، وهو ما يجعل أي حديث عن تحرير دارفور معركة معقدة تتجاوز حدود السودان نفسه”.
خاتمة: السودان بين التحرير والتدمير
بين وعود التحرير وشلالات الدم المستمرة، يظل السودان عالقًا بين قوتين متصارعتين تحركهما أجندات خارجية.
فبينما يتحدث الجيش عن الزحف نحو دارفور، تواصل قوات الدعم السريع بدعم إماراتي توسيع رقعة سيطرتها وارتكاب المجازر بحق المدنيين. وفي ظل غياب موقف عربي حازم، وتردد المجتمع الدولي في فرض عقوبات رادعة، يبدو أن دارفور ستبقى ساحة اختبار دامية لنفوذ الأطراف الإقليمية.
وحتى إشعار آخر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سينجح عبد الله يحيى في “تحرير دارفور”، أم أن الدعم الإماراتي المستمر لحميدتي سيحوّل السودان إلى مستنقع طويل الأمد من الحروب بالوكالة؟
اقرأ أيضًا : من طائرة الراجحي إلى طوابير الضمان.. هكذا تجلّت فوارق السعودية الجديدة