في مشهد يلخص اتساع الهوة الطبقية في السعودية، أثار فيديو لرجل الأعمال والمتسابق يزيد محمد الراجحي، نجل مؤسس مصرف الراجحي، موجة غضب واسعة بعدما ظهر في مقطع مصوَّر من داخل طائرته الخاصة يُلقي نصائح عن “ريادة الأعمال” و”عدم الاعتماد على الدعم الحكومي”. المقطع، الذي لم تتجاوز مدته 30 ثانية بعد اقتطاعه من فيديو أطول، تحوّل إلى شرارة لنقاشٍ عام حول الفقر والطبقية وسياسات ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية التي أفقرت شرائح واسعة من السعوديين.

في وقت تتزايد فيه أسعار السلع وتُرفع فيه ضرائب القيمة المضافة إلى 15%، جاءت كلمات الراجحي كصفعةٍ رمزية للفقراء الذين يرون أن السلطة تحمّلهم ثمن سياسات “رؤية 2030” بينما تُغدق الامتيازات على طبقة ضيقة من رجال الأعمال والمقربين من السلطة.

الراجحي.. من “ريادة الأعمال” إلى ريادة الجدل

يزيد الراجحي (44 عامًا) هو ابن رجل الأعمال الراحل محمد بن عبد العزيز الراجحي، أحد مؤسسي أكبر المصارف الإسلامية في العالم. وقد اشتهر الشاب بسياراته الرياضية ومشاركاته في سباقات الرالي، إلى جانب حياته المترفة التي يوثقها في مقاطع فيديو على مواقع التواصل.

في الفيديو الأخير، قال الراجحي: “اللي يعتمد على الدعم الحكومي ما يتقدم”، في إشارة إلى أن المواطن عليه أن يعتمد على نفسه لا على الدولة.

لكن هذه العبارة، التي قد تُعتبر منطقية في دولةٍ مستقرة اقتصاديا، جاءت صادمة في بلدٍ ترتفع فيه معدلات البطالة بين الشباب، وتتراجع القدرة الشرائية مع كل إصلاح اقتصادي جديد.

الآلاف من السعوديين ردوا عبر منصة “إكس”، متهمين الراجحي بـ”الغرور” و”العيش في فقاعة”، حيث كتب أحدهم: “يزيد الراجحي أنت وولد عمك جربتو تجلسو بعز الظهر بدرجة حرارة 50؟ كيف بيكون وضعكم لو انقطع الضمان؟ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.”

آخرون اعتبروا أن الفيديو يجسد حالة “انفصال النخبة” عن واقع المجتمع، وأن الراجحي يكرر خطابات بن سلمان عن “التمكين” بينما لا يدرك معاناة المواطن الذي يكافح لتأمين لقمة العيش.

الضمان الاجتماعي.. خط الدفاع الأخير للفقراء

الهجوم على يزيد لم يكن بمعزل عن خلفية اقتصادية متوترة يعيشها السعوديون. فقد جاء المقطع في خضم جدل واسع حول تعديلات “الضمان الاجتماعي المطوّر”، الذي يستفيد منه نحو 2.5 مليون أسرة بمتوسط 2000 ريال شهريًا للفرد، مع دعم إضافي للغذاء والكهرباء.

تعديلات الوزارة الأخيرة، التي يقودها أحمد الراجحي (ابن عم يزيد)، أدت إلى استبعاد آلاف الأسر بحجة “عدم استحقاقهم”، ما تسبب في سخط واسع ضد الوزير.

ورغم أن الوزارة تؤكد أنها “تمكّن المستفيدين من العمل” ضمن رؤية 2030، فإن أرقامها تكشف فجوة صارخة: فبينما وظفت نحو 45 ألف مستفيد في 2024، فإن الملايين ما زالوا تحت خط الفقر في بلدٍ يُعد من أغنى دول العالم.

بحسب تقرير رسمي، أنفقت الحكومة أكثر من 18 مليار ريال (نحو 4.8 مليار دولار) على البرنامج في عام واحد، وهو رقم ضخم على الورق، لكنه لا يعكس التحول المعيشي الحقيقي في ظل ارتفاع الأسعار والضرائب وتكاليف السكن.

الراجحي يدافع عن نفسه: “أُخرج كلامي من سياقه”

بعد تصاعد موجة الغضب، خرج يزيد الراجحي ببيانٍ عبر حسابه ليؤكد أن كلامه “أُخرج من سياقه”، مشيرًا إلى أن الهدف من الفيديو كان تشجيع الشباب على الاجتهاد لا الإساءة للفقراء.

وقال: “أنا أدعم كل مواطن سعودي، وأعمالنا الخيرية تشهد على ذلك.”

وأشار إلى أوقاف عائلة الراجحي التي دعمت التعليم والصحة والمشروعات الخيرية لعقود.

غير أن تبريره لم يُقنع الشارع؛ إذ رأى كثيرون أنه يحاول حماية سمعة ابن عمه الوزير الراجحي، في ظل الهجوم المتصاعد عليه بسبب سياسات الضمان المطور.

“الذباب الإلكتروني” واتهامات بالتسويق السياسي

اتهم الراجحي من انتقدوه بأنهم “ذباب إلكتروني” تديره جهات خارجية، وهو تعبير شائع في الخطاب الموالي للحكومة السعودية. إلا أن ذلك الاتهام زاد من الغضب الشعبي، إذ اعتبره المواطنون محاولة لإسكات أصوات الفقراء وإخضاعهم لمنطق السلطة والإعلام الرسمي.

العديد من المراقبين لاحظوا أن دفاع الراجحي تزامن مع حملة إلكترونية تشيد بـ”إصلاحات الوزير الراجحي” و”رؤية ولي العهد”، مما جعل كثيرين يربطون بين الفيديو وبين محاولات دعائية لتجميل صورة النظام أمام الانتقادات المتزايدة.

محمد بن سلمان.. رؤية الثراء من الأعلى والفقر من الأسفل

منذ إطلاق “رؤية 2030″، تعهد ولي العهد محمد بن سلمان بتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. غير أن الإصلاحات المزعومة جاءت مصحوبة بإجراءات تقشفية شملت رفع الضرائب وخفض الدعم، ما أدى إلى تآكل دخل الأسر المتوسطة والفقيرة.

في المقابل، ازدادت ثروات النخبة المقربة من السلطة ورجال الأعمال الذين استفادوا من المشاريع الكبرى مثل “نيوم” و”ذا لاين”، ومنهم عائلة الراجحي التي حافظت على نفوذها المالي الضخم.

لذلك، لم يُنظر إلى كلمات يزيد الراجحي كنصيحة بريئة، بل كرمز لخطاب “الرفاه السلطوي” الذي يُلقي اللوم على الفقراء في فقرهم بينما يغض الطرف عن السياسات التي أنتجته.

خاتمة: فيديو واحد يعري “رؤية كاملة”

تحول الفيديو القصير إلى مرآة تكشف التناقضات البنيوية في السعودية الجديدة؛ دولةٍ تُنفق المليارات على الترفيه والمشاريع العملاقة، بينما يُطلب من الفقراء أن “يتحملوا المسؤولية” عن فقرهم.

ورغم محاولة الراجحي التراجع وتبرير موقفه، إلا أن الغضب الشعبي الذي فجّره أظهر أن المجتمع السعودي، الذي كان يخشى الانتقاد، بدأ يُعبّر عن امتعاضه من فشل “رؤية ابن سلمان” في تحقيق العدالة الاجتماعية.

فالاستفزاز هذه المرة لم يأتِ من خارج الحدود، بل من داخل طائرة خاصة تحلّق فوق واقعٍ غارق في الفقر واللامساواة.

اقرأ أيضا : هل هناك “طوفان” قادم في مصر؟.. كتابات “Z” تربك القاهرة بعد حراك المغرب