استفاقت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، صباح الخميس على وقع مأساة جديدة، بعدما أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل 24 مدنياً وإصابة 55 آخرين – بينهم خمس نساء – جراء قصف مدفعي عنيف شنته قوات الدعم السريع على أحياء وأسواق مكتظة بالسكان. القصف الذي استهدف منطقة السوق المركزي وحي “أولاد الريف”، لم يكن مجرد خطأ عسكري أو تبادل عشوائي للنيران، بل بدا وكأنه استهداف مباشر للمدنيين، ليُضاف إلى سلسلة طويلة من الجرائم التي وُصفت بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية.

شبكة الأطباء وصفت ما جرى بـ”الجريمة البشعة”، مؤكدة أن استهداف الأسواق والأحياء السكنية يُعبر عن سياسة ممنهجة للتجويع والترهيب وإفراغ المدينة من سكانها. ومع استمرار الحصار الخانق ونقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، تزداد المأساة الإنسانية في الفاشر يوماً بعد يوم.

تصعيد غير مسبوق وحرب استنزاف

الهجوم الأخير لم يكن معزولاً عن مسار التصعيد العسكري الدائر منذ أسابيع. فقد شهدت الفاشر أمس الأربعاء يوماً دامياً استمر فيه القصف ساعات طويلة، فيما رد الجيش السوداني عبر طائرات مسيرة استهدفت مواقع الدعم السريع في المحورين الشرقي والجنوبي للمدينة. المشهد العسكري تصاعد إلى درجة ظهور مروحية تابعة للجيش في سماء الفاشر لأول مرة منذ شهور، ما يعكس حجم التوتر واحتدام المعركة حول هذه المدينة الاستراتيجية.

وفي المقابل، سعت قوات الدعم السريع إلى تضخيم مكاسبها الميدانية، فأعلنت سيطرتها على أحياء جنوبية واقترابها من مقر الفرقة السادسة مشاة. ونشرت مقاطع فيديو تؤكد روايتها عن “تقدم كبير”، لكن مصادر محلية أكدت أن ما يجري هو حرب كر وفر، هدفها استنزاف المدينة وإطالة أمد المأساة الإنسانية.

الإمارات: اليد الخفية في الخراب السوداني

ورغم وضوح هوية الفاعل المباشر في القصف، إلا أن أصابع الاتهام تتجه مجدداً إلى الإمارات العربية المتحدة، التي تحولت إلى الممول الأول والداعم الأكبر لميليشيا الدعم السريع. تقارير دولية وإفادات رسمية أكدت مراراً أن أبوظبي تمد قوات حميدتي بالسلاح والذخيرة عبر شبكات تهريب معقدة تمر عبر ليبيا وتشاد، في خرق صارخ لقرارات الأمم المتحدة.

الدور الإماراتي لم يعد خفياً، فكل مجزرة في دارفور تحمل بصمات الدعم المالي والعسكري القادم من أبوظبي، التي تسعى لتحويل السودان إلى ساحة نفوذ جديدة تؤمن لها السيطرة على موانئ البحر الأحمر وموارد الذهب الضخمة. وفي الوقت الذي يُقتل فيه المدنيون في الفاشر وغيرها، تواصل شركات إماراتية عقد صفقات مشبوهة لنهب الثروات السودانية، بينما تتكفل قوات الدعم السريع بتمهيد الأرض عبر التهجير والإبادة.

عجز دولي وصمت مريب

المجزرة الأخيرة كشفت أيضاً عجز المجتمع الدولي، الذي اكتفى حتى الآن ببيانات خجولة تدعو إلى “ضبط النفس” و”إتاحة الممرات الإنسانية”. شبكة أطباء السودان حمّلت مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي المسؤولية المباشرة عن هذا الصمت، مؤكدة أن عجز المؤسسات الدولية عن وقف هذه الجرائم يشجع الدعم السريع وحلفاءه على التمادي.

فشل المجتمع الدولي في فرض هدنة إنسانية أو فتح ممرات إغاثية للفاشر يضاعف الكارثة، خصوصاً أن المدينة تمثل المركز الإغاثي الرئيسي في إقليم دارفور. وبغياب أي تدخل فاعل، يجد عشرات الآلاف من المدنيين أنفسهم محاصرين بين الجوع والقصف والموت البطيء.

نهاية مفتوحة على المزيد من الدماء

ما جرى في الفاشر ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الحرب السودانية التي أشعلتها أطماع داخلية وخارجية، وجعلت المدنيين وقوداً لصراع لا أفق له. وبينما يواصل الدعم السريع قصف الأحياء والأسواق، تظل الإمارات اللاعب الأكثر إثارة للجدل في هذا النزيف المستمر، إذ توفر الغطاء المالي والعسكري لمليشيا تُتهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

المشهد السوداني بات مرشحاً لمزيد من الانفجار، ما لم يتوقف الدعم الخارجي للدعم السريع، ويُفرض حل سياسي يوقف نزيف الدم ويفك الحصار عن الفاشر وبقية مدن دارفور. وحتى يحدث ذلك، ستظل أخبار المجازر اليومية في السودان عنواناً ثابتاً يُفضح عبره الدور الخبيث لأبوظبي، وشاهداً على عجز العالم عن حماية المدنيين من حرب عبثية تدفع ثمنها الأرواح البريئة.

اقرأ أيضًا : صور الأقمار تكشف خطة نتنياهو لاحتلال غزة