في تطور خطير يعكس استعدادات الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع عدوانه على قطاع غزة، كشفت صور أقمار اصطناعية حديثة عن تحركات عسكرية مكثفة على تخوم مدينة غزة، ما يؤكد وجود خطة مبيتة لاحتلال المدينة المنكوبة، رغم الدمار الهائل الذي لحق بها على مدار الشهور الماضية.
الصور التي التقطتها شركة “بلانيت لابز” الأميركية في 16 آب/أغسطس، وأُعيد تحليلها من خبراء عسكريين، أظهرت انتشاراً جديداً لقوات الاحتلال شرقي غزة، يتضمن دبابات وناقلات جند مدرعة وتحركات لوجستية ضخمة، في مؤشر على قرب شن عملية واسعة النطاق ضد المدنيين المحاصرين داخل المدينة.

انتشار عسكري ضخم وتحضيرات ميدانية
بحسب أندريس غانون، أستاذ التكنولوجيا العسكرية في جامعة فاندربيلت، فإن الصور الفضائية تكشف بوضوح وجود خطوط محروثة في الأرض تستخدم كتحصينات وخنادق وقائية، إلى جانب عشرات المركبات العسكرية التي تحيط بمبانٍ محصنة قد تكون مراكز قيادة مؤقتة.
أما توني ريفز، مؤسس شركة “مايار” للاستخبارات الخاصة، فأكد أنه تمكن من رصد أكثر من 30 مركبة مدرعة، بينها جرافات ومعدات هندسية، إضافة إلى تحصينات ترابية، مشيراً إلى أن هذا النمط يعكس “تكتيك الاستعداد لمعارك المدن”، حيث تسعى الجيوش لتأمين مواقعها عبر مدرعات تحمي الوحدات الأكثر أهمية، خصوصاً تلك المسؤولة عن الاتصالات والقيادة.
ولم تقتصر الصور على استعراض المعدات، بل أظهرت مقارنة بين لقطات 9 و16 آب/أغسطس تغييرات واضحة في المشهد: فقد ظهرت خيام ومراكز مؤقتة ثم جرى تفكيكها وإخلاء المباني المحيطة بها، ما يعكس حركة استباقية لإنشاء قواعد انطلاق أو نقاط تجمع للجنود قبل اقتحام غزة.
هذه التحركات تزامنت مع إعلان الاحتلال استدعاء 60 ألف جندي احتياط، وهو ما يعزز فرضية أن العملية لن تكون مجرد قصف أو توغل محدود، بل خطوة نحو فرض سيطرة ميدانية طويلة الأمد.

دمار ممنهج ومعالم مطموسة
الصور الفضائية لم تقتصر على رصد تحركات عسكرية، بل كشفت أيضاً حجم الخراب الممنهج الذي تعرضت له غزة. ففي صور 8 آب/أغسطس، ظهرت مبانٍ مهدمة بالكامل تحيط بمنشآت لا تزال قائمة، بينها مدرسة دار الأرقم الثانوية للبنين التي حددتها بيانات اليونيسف، قبل أن تختفي تماماً في لقطات 16 آب/أغسطس، ما يعني أنها استهدفت خلال الأيام التالية.
هذا النمط من محو المؤسسات التعليمية والصحية يعكس استراتيجية الاحتلال في تدمير مقومات الحياة المدنية، وتحويل غزة إلى أرض خالية من أي بنية أساسية.
تقرير لمجلة “ذا إيكونوميست” أكد أن حجم الدمار يجعل الحرب الإسرائيلية على غزة واحدة من الأكثر تدميراً في التاريخ الحديث. ووفق بيانات “UNOSAT”، فقد تضرر أكثر من 190 ألف مبنى، منها 102 ألف دُمِّر بالكامل، أي أن القطاع فقد نحو 300 ألف منزل، 77% منها كانت سكنية.
هذه الأرقام تعني أن الاحتلال لم يكتف بالقصف العسكري، بل تعمّد استهداف البنية التحتية المدنية لإجبار السكان على النزوح والعيش في ظروف غير إنسانية.
حرب إبادة لا حرب عسكرية
التحليل الرقمي للأضرار يظهر أيضاً أن كمية الأنقاض بلغت 53.5 مليون طن بزيادة 133% خلال 15 شهراً فقط، ما يجعل إزالة الدمار وإعادة الإعمار شبه مستحيلة في ظل الحصار.
ومع نزوح مليوني إنسان – نصفهم أطفال – إلى مساحة لا تتجاوز 12.7% من القطاع، يعيش الغزيون اليوم في واحدة من أكثر البقاع ازدحاماً وفاقة على وجه الأرض، في خيام مؤقتة تفتقر للماء والكهرباء والغذاء.
بهذا الشكل، تصبح أي عملية برية إسرائيلية ليست مجرد هجوم عسكري، بل جريمة إبادة وتطهير عرقي تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني.
هذه الأوضاع تؤكد أن الاحتلال يسعى لفرض معادلة “الأرض المحروقة”، حيث يُمهد لاجتياح بري عبر محو المعالم المدنية وتكديس الأنقاض وتحويل المدينة إلى ساحة قتال مفتوحة.
غير أن الصور الفضائية باتت سلاحاً مضاداً يكشف للعالم، وبالوثائق، نوايا الاحتلال الإجرامية، ويضعه أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا لبس فيها.
استنتاج: الاحتلال يستعد لمجزرة جديدة
ما تكشفه صور الأقمار الاصطناعية ليس مجرد استعدادات لعملية عسكرية، بل مشروع احتلال كامل لمدينة غزة، يعيد إلى الأذهان سياسات التهجير القسري والاستيطان التي ينتهجها الكيان منذ تأسيسه.
التحصينات، الخيام، الدبابات، وتدمير المدارس والمباني كلها إشارات على خطة مرسومة لإعادة رسم الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي، فإن غزة ستشهد قريباً مجزرة جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، في ظل صمت عالمي يعكس ازدواجية المعايير وغياب العدالة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يتوغل مجددًا في القنيطرة: سياسة ممنهجة لزعزعة أمن سوريا