بينما تتصاعد الاشتباكات الضارية في مدينة الفاشر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تكشف التقارير عن تفاقم الأوضاع الإنسانية وسط تحذيرات أممية من تفشي وباء الكوليرا في الإقليم المنكوب. 

وفي خلفية هذه المأساة، تُوجَّه أصابع الاتهام مجددًا نحو دولة الإمارات، لدورها الموثق في تسليح وتغذية النزاع عبر دعمها غير المعلن لقوات الدعم السريع، ما يجعلها شريكًا مباشرًا في تعميق الأزمة السودانية.

الفاشر تشتعل.. والجيش يصد الهجمات

أعلن الجيش السوداني، مطلع الأسبوع، صد هجمات متزامنة شنّتها قوات الدعم السريع على المحورين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي لمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وأكد بيان صادر عن القوات المسلحة السودانية أن قوات الجيش كبّدت المهاجمين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، مشيرًا إلى فرار ما تبقى من عناصر الدعم السريع إلى خارج المدينة.

البيان أشار كذلك إلى العثور على معدات وأجهزة خلفتها الميليشيا المهاجمة، قال إنها “تثبت أن من يقاتل ضد الجيش السوداني في الفاشر ليسوا سودانيين”، في إشارة ضمنية إلى وجود مرتزقة أو عناصر أجنبية يُعتقد أن الإمارات ساهمت في تمويلهم أو تدريبهم. هذه التصريحات تعزز روايات سابقة أفادت بتجنيد مرتزقة من تشاد وأفريقيا الوسطى عبر وسطاء محليين وأموال إماراتية، في إطار توسيع رقعة القتال وتدويل النزاع الداخلي.

وفي هجوم سابق يوم الخميس الماضي، كانت المعارك أكثر ضراوة، إذ تحدثت مصادر عسكرية لـ”الجزيرة نت” عن مقتل العشرات – وإن لم تتوفر أرقام دقيقة من مصادر محايدة – إضافة إلى تدمير 5 آليات قتالية تابعة لقوات الدعم السريع والاستيلاء على مركبة محملة بالذخيرة والأسلحة الثقيلة.

تؤكد هذه المعارك أن الفاشر، التي تُعد آخر المدن الكبرى في دارفور التي لم تسقط بيد قوات الدعم السريع، باتت تمثل المعركة المصيرية في سياق حرب السيطرة على غرب السودان. ويُنظر إلى صمود الفاشر على أنه اختبار حاسم لقدرة الجيش السوداني وحلفائه من قوى الكفاح المسلح على التصدي لما يعتبره كثيرون مشروعًا لتقسيم السودان برعاية إقليمية.

الكوليرا تحاصر السكان.. وكارثة صحية تلوح في الأفق

بموازاة القتال العنيف، تتدهور الأوضاع الصحية والإنسانية في ولاية شمال دارفور بوتيرة تنذر بالانهيار. فقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من أن أكثر من 640 ألف طفل دون سن الخامسة باتوا مهددين بالجوع والأوبئة، مع تسجيل تفشٍ سريع لمرض الكوليرا في عدد من مناطق الولاية.

ووفقًا لبيان المنظمة الأممية، تم الإبلاغ عن أكثر من 1180 حالة إصابة بالكوليرا منذ 21 يونيو/حزيران، بينها نحو 300 إصابة بين الأطفال، و20 حالة وفاة على الأقل. وأوضح ممثل اليونيسف في السودان، شيلدون ييت، أن الكوليرا تنتشر “بسرعة في طويلة ومناطق أخرى من دارفور، رغم أنها مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه”، لكنه أكد في الوقت ذاته أن ضعف البنية التحتية الصحية وغياب الوصول الآمن للمساعدات يهدد حياة آلاف الأطفال.

أما على المستوى الوطني، فقد ارتفعت الإصابات بالكوليرا في عموم السودان إلى أكثر من 91 ألف حالة، بينها 2302 وفاة، في 17 ولاية، وفق آخر إحصاءات وزارة الصحة السودانية، في دلالة خطيرة على انهيار النظام الصحي في ظل استمرار الحرب.

مدينة الفاشر، التي تُعد مركزًا رئيسيًا للعمل الإنساني لولايات دارفور الخمس، أصبحت اليوم ساحة حرب مفتوحة، مما أدى إلى توقف معظم عمليات الإغاثة الدولية، وحصار عشرات آلاف المدنيين الذين لا يجدون طريقًا للهروب من الجحيم المحيط بهم.

الإمارات على خط النار.. دعم خفي يصب الزيت على النار

لا يمكن فصل تطورات المعارك في الفاشر عن التدخلات الخارجية التي أججت الحرب في السودان منذ بدايتها في أبريل/نيسان 2023. وتشير تقارير متعددة – من بينها تقارير أممية وتسريبات استخباراتية – إلى تورط الإمارات في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عبر توفير التمويل وتهريب الأسلحة والذخائر.

وتتهم منظمات حقوقية أبوظبي باستغلال نفوذها وعلاقاتها مع حميدتي لمواصلة مشاريعها في إفريقيا، وخاصة السيطرة على ممرات الذهب والموارد في دارفور. وفي هذا السياق، يرى محللون أن المعارك في الفاشر تأتي في إطار محاولة قوات الدعم السريع، بدعم إماراتي، للسيطرة على آخر المعاقل الاستراتيجية التي تقف حجر عثرة أمام تقسيم الإقليم وإعادة تشكيله بما يخدم المصالح الإماراتية.

الجيش السوداني لمّح أكثر من مرة إلى تورط “جهات خارجية” في إطالة أمد الحرب، وجاء في بيانه الأخير إشارة صريحة إلى أن بعض المهاجمين “ليسوا سودانيين”، وهو ما يعيد إلى الأذهان المعلومات التي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” مؤخرًا عن تمويل إماراتي لمرتزقة أجانب ضمن مشروع تقويض وحدة السودان.

وفي ضوء ذلك، يرى مراقبون أن الإمارات لا تزال تراهن على تمكين وكلائها المحليين في السودان، رغم الفظائع الموثقة والكارثة الإنسانية المتفاقمة. هذا الدور لم يعد يمر بصمت، بل بات موضوعًا لنقاشات دولية حادة، خصوصًا مع تنامي الأصوات المطالبة بفرض عقوبات على أبوظبي أو التحقيق في طبيعة دورها بالمنطقة.

خاتمة:

مع تواصل المعارك الطاحنة في الفاشر وتفشي الكوليرا والكارثة الإنسانية، يتضح أن السودان لا يواجه فقط حربًا داخلية، بل تدخلاً خارجيًا يضاعف من مآسيه. وبينما يحاول الجيش السوداني الدفاع عن وحدة البلاد، تواصل الإمارات تغذية آلة الحرب من وراء الستار.

وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذا العبث، فإن الفاشر قد تكون بداية لانهيار أوسع، يدفع ثمنه الأبرياء من الأطفال والنساء، ويُضاف إلى سجل طويل من الحروب التي تحوّلت إلى مشاريع تجارية بتمويل خارجي.

اقرأ أيضًا :الإمارات تغذي التقسيم.. حاكم دارفور يحذر من تمزيق السودان وتخلي النخبة عن الإقليم