في العاصمة السودانية الخرطوم، أطلق مصدر طبي سوداني تحذيرات شديدة اللهجة بشأن نفايات طبية “خطيرة” تُركت في العراء لأكثر من ثلاثة أشهر، تحديدًا داخل محيط بنك الدم المركزي الذي يقع في منطقة تشهد منذ شهور مواجهات عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتضم هذه النفايات بحسب المصدر، عينات ملوثة بفيروسات قاتلة من بينها فيروس الكبد الوبائي، وفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، إضافة إلى عينات أمراض جنسية مثل الزهري والسيلان، وأكياس دم ملوثة.

الخطورة، كما يصفها المصدر الطبي الذي تحدث لموقع الجزيرة نت، تتجاوز مجرد وجود هذه المواد، بل تكمن في احتمال تسربها إلى التربة مع الأمطار، خاصة أن بعضها قد تمزق بفعل حرارة الشمس، ما يجعلها قابلة للانتقال إلى مصادر المياه الجوفية أو التربة الزراعية، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية وصحية تطال سكان العاصمة وتنتقل إلى ولايات أخرى.

وأضاف المصدر أن “فيروس الكبد الوبائي يمكن أن يبقى نشطًا في التربة لمدة تصل إلى عام، ما يجعل مخاطره ممتدة وزاحفة”.

بين الانهيار المؤسسي والتواطؤ السياسي

تشير تفاصيل القضية إلى عمق التدهور في المؤسسات الحكومية، والعجز التام في إدارة الملفات الصحية والبيئية الحساسة. فبحسب نفس المصدر، فإن إدارة بنك الدم أجرت مراسلات مع هيئة نظافة ولاية الخرطوم للتخلص من هذه النفايات، غير أن الأخيرة اشترطت توفير وقود لسيارات النقل والمعالجة، وهو ما عجزت عنه إدارة البنك، رغم محاولات تواصل مع جهات حكومية ومنظمات طوعية، لم تثمر أي دعم فعلي.

ما يحدث في الخرطوم ليس مجرد إهمال إداري، بل تجلٍ واضح لانهيار الدولة في ظل الحرب المستعرة منذ أكثر من عام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي تسيطر على مناطق واسعة من العاصمة. وبالعودة إلى أبريل/نيسان 2023، كانت منظمة الصحة العالمية قد أطلقت تحذيرًا مبكرًا بشأن “خطر بيولوجي مرتفع” بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المعمل القومي للصحة العامة وبنك الدم، مشيرة إلى أن مثل هذه المرافق تحتوي على عينات خطيرة ومواد بيولوجية عالية العدوى.

أصابع إماراتية خلف الفوضى

لا يمكن فصل هذه الأزمة الصحية عن السياق السياسي والعسكري العام، خاصة في ظل الدعم الإماراتي الواسع لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والتي كانت مسؤولة عن السيطرة على المنشآت الصحية الحيوية وسط العاصمة. ووفقًا لتقارير موثوقة، فإن الدعم الإماراتي لم يقتصر على السلاح والعتاد، بل شمل تمويلًا لوجستيًا أسهم في فرض السيطرة على مفاصل العاصمة، ما أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة المدنية.

وبينما تغيب الحكومة السودانية عن مشهد إدارة الأزمة، وتقف المنظمات الدولية عاجزة أمام العقبات اللوجستية، تبدو الخرطوم مرشحة لتكون بؤرة وباء قادم، بفعل تراكم المواد البيولوجية الخطيرة وتدهور البنية التحتية البيئية، وسط تحذيرات متكررة من أن أولى الإصابات قد تظهر مع بداية موسم الأمطار الحالي.

الخراب الصحي.. وجه آخر للحرب

إن ما تشهده الخرطوم من انهيار في النظام الصحي ليس استثناءً بل هو وجه آخر من وجوه الحرب، التي لم تقتصر على الدمار العسكري، بل امتدت لتطال حياة المدنيين بأبشع الطرق: من القصف والنزوح إلى التهجير ثم الأوبئة والمجاعات. وتؤكد تقارير من داخل العاصمة أن العديد من المستشفيات توقفت عن العمل منذ شهور، فيما تعمل أخرى بقدرات محدودة، وبلا أدوات وقاية كافية، وهو ما يضاعف خطر انتقال العدوى.

الواقع الكارثي يدفع إلى ضرورة تحرك عاجل من الجهات الدولية – وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية – للضغط على أطراف النزاع وإجبارهم على السماح بإخلاء النفايات الطبية ونقلها إلى مراكز معالجة آمنة. كما يتطلب الأمر فتح تحقيق دولي بشأن مسؤولية قوات الدعم السريع وداعميها، وعلى رأسهم الإمارات، عن تحويل الخرطوم إلى “قنبلة بيولوجية موقوتة”.

خاتمة: هل ينهض الضمير العالمي؟

مع دخول فصل الخريف، واشتداد هطول الأمطار، يزداد القلق من تسرب المواد البيولوجية إلى البيئة. وإذا لم يتم التحرك خلال أيام، فإن سكان الخرطوم سيواجهون خطر أوبئة فتاكة ستتجاوز آثار الحرب العسكرية إلى تهديد وجودي طويل الأمد.

ففي بلد يعاني من انهيار مؤسساتي شامل، وسط تدخلات خارجية مغذية للفوضى، فإن السكوت عن مثل هذه الكوارث هو مشاركة في الجريمة. وعلى المجتمع الدولي أن يقرر: إما التدخل لإنقاذ ملايين السودانيين، أو الوقوف متفرجًا على ولادة مجزرة بيئية في قلب العاصمة المنكوبة.

اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي للميليشيات.. اليونيسيف تدين مقتل 35 طفلاً في كردفان