في بيان فاجع صدر يوم الثلاثاء، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) مقتل ما لا يقل عن 35 طفلًا في هجمات مسلحة استهدفت بلدات وقُرى في ولاية شمال كردفان بالسودان، على يد قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا.
البيان الصادر عن المديرة التنفيذية للمنظمة، كاثرين راسل، كشف أن الهجمات التي استهدفت قرى مثل “شق النُعم” و”حلة حامد” أسفرت عن مقتل أكثر من 450 مدنيًا، بينهم 24 صبيًا و11 فتاة وامرأتان حاملتان، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا مع تزايد أعداد المصابين والمفقودين.
راسل وصفت المشهد بـ”العمل الشنيع والتصعيد المرعب”، مشددة على أن ما جرى يمثل استخفافًا تامًا بالحياة البشرية وبالقانون الإنساني الدولي، داعية إلى وقف فوري للعنف ومحاسبة المسؤولين. ورغم فداحة الجريمة، لم تُرافق الإدانة الأممية إجراءات عملية أو تحرك دولي لوقف المجازر، في تكرار لنمط الصمت العالمي تجاه الجرائم المرتكبة في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
الهجمات الأخيرة تندرج ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تصاعدت بوتيرة مقلقة منذ بداية عام 2025، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 6% من مجمل الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في السودان وقعت في ولاية شمال كردفان وحدها، من بينها القتل والتشويه والتجنيد القسري والاغتصاب وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية.
![]()
الدعم السريع.. آلة قتل برعاية إماراتية
وفق شهادات من نشطاء سودانيين وجماعات حقوقية، فإن المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرى محيط مدينة بارا لم تكن أعمالًا عشوائية، بل حملت طابعًا انتقاميًا ممنهجًا ضد المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء. جماعة “محامو الطوارئ” السودانية ذكرت أن أكثر من 200 شخص قُتلوا في قرية شق النوم وحدها، “معظمهم حُرقوا أحياء داخل منازلهم أو أُعدموا رميًا بالرصاص”، في مشهد يوازي أبشع المجازر التي شهدها التاريخ الحديث.
ورغم فداحة الجريمة، تُحاط قوات الدعم السريع بحصانة غير معلنة مصدرها خارجي، حيث يتهم مراقبون الإمارات بتقديم دعم عسكري وتمويلي ولوجستي لهذه الميليشيات بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). الإمارات، التي لعبت أدوارًا مماثلة في ليبيا واليمن، تكرر تدخلها الدموي في السودان من بوابة دعم الميليشيات بهدف توسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر وموارد الذهب السودانية.
تقارير استخباراتية وغربية، أبرزها من وول ستريت جورنال وCNN، أكدت سابقًا إرسال طائرات شحن إماراتية أسلحة وذخائر إلى الدعم السريع عبر قواعد في تشاد، بالإضافة إلى تمويل عمليات التجنيد والتسليح في دارفور وكردفان. هذا الدعم المتواصل لم يتوقف رغم إدانات من منظمات دولية وهيئات حقوقية، ما يشير إلى تغاضي دولي متعمد عن دور أبوظبي في تأجيج الصراع السوداني.
أزمة إنسانية خانقة.. والأطفال في عين الاستهداف
الهجوم على أطفال شمال كردفان يأتي في سياق انهيار إنساني شامل يشهده السودان، حيث أُجبر أكثر من 10 ملايين شخص على الفرار من منازلهم، نصفهم تقريبًا من الأطفال، بحسب الأمم المتحدة. ويواجه أكثر من نصف سكان البلاد مستويات خطيرة من الجوع، في ظل انتشار الأوبئة مثل الكوليرا وسوء التغذية الحاد.
القيود المفروضة على الوصول الإنساني، خصوصًا في مناطق النزاع التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تُضاعف من معاناة المدنيين. كما تعيق المجازر والجرائم الجماعية مثل ما جرى في شمال كردفان وصول فرق الإغاثة، في ظل تعمّد القوات المهاجمة تدمير المرافق الطبية والمدارس، ما يجعل الأطفال عرضة للهلاك أو التجنيد القسري.
التحقيقات الدولية بشأن جرائم الحرب في السودان تواجه هي الأخرى عراقيل سياسية، إذ لا تزال آلية المحاسبة غائبة، بسبب تحفظات دولية على محاكمة قادة الدعم السريع خشية انزلاق البلاد إلى مزيد من الفوضى. وبينما يُعاقب الضحايا بالصمت، يواصل الجناة ارتكاب جرائمهم وسط غياب كامل للعدالة.
هل تُكسر دائرة الإفلات من العقاب؟
رسالة اليونيسيف كانت واضحة: “لا ينبغي لأي طفل أن يعايش مثل هذه الفظائع”، وهي عبارة تُلخص حال أطفال السودان الذين يدفعون ثمن حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لكن هذه الإدانة لا تكفي وحدها في ظل صمت المجتمع الدولي وعجز الأمم المتحدة عن اتخاذ خطوات حاسمة.
فهل ستدفع هذه المجازر المجتمع الدولي إلى محاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم من موّل وسلّح؟ وهل ستبقى الإمارات فوق المساءلة الدولية رغم بصماتها الواضحة في دعم الميليشيات المتهمة بارتكاب إبادة جماعية؟
ما جرى في شمال كردفان ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر صارخ على أن الإفلات من العقاب يغذي دائرة العنف، وأن الدعم الخارجي للميليشيات هو شريان حياة للحرب والمجازر.
ربما آن الأوان لأن يُحمّل المجتمع الدولي حلفاء الميليشيات، وفي مقدمتهم الإمارات، مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية عن الجرائم التي تُرتكب بحق أطفال السودان. فالصمت لم يعد محايدًا، بل شريكًا في الجريمة.
اقرأ أيضًا : بصمات إماراتية على المجازر: 300 قتيل في شمال كردفان