تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، على وقع جروح متجددة بعد يومٍ دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 70 مدنيًا، حين استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع مسجدًا أثناء صلاة الفجر في حي “الدرجة الأولى”.

لم تمض سوى ساعات قليلة حتى عادت المدينة لتشهد موجة جديدة من القصف العشوائي بالمسيّرات، استهدفت الأحياء السكنية وأحرقت منازل المدنيين، وسط صمت دولي مطبق، واتهامات مباشرة للإمارات بالوقوف خلف المجازر عبر الدعم العسكري واللوجستي لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي). 

هذه الهجمات تضع الفاشر في قلب المأساة السودانية المستمرة منذ أكثر من عامين، وتجعلها عنوانًا جديدًا لمعاناة المدنيين العالقين بين حصار خانق وحرب عبثية.

 

القصف المتجدد وتصاعد الخسائر

أكدت مصادر عسكرية للجزيرة أن قوات الدعم السريع كثّفت من استخدام المسيّرات الاستراتيجية في قصف أحياء الفاشر، بعد أن تكبّدت خسائر في اشتباكات متفرقة مع الجيش السوداني جنوبي وشرقي وشمالي المدينة. وظهرت أعمدة الدخان متصاعدة من حي “الدرجة الأولى” الذي كان مسرحًا لمجزرة المسجد، في مشهد يلخّص استمرار استهداف المدنيين عمداً.
الجيش السوداني أعلن أن حصيلة المجزرة وصلت إلى 75 قتيلاً، بينهم أطفال وشيوخ، فيما بقي عشرات الجرحى في أوضاع حرجة داخل مستشفى يفتقر لأبسط المستلزمات الطبية. وقدّر ناشطون أن العدد الحقيقي للضحايا مرشح للارتفاع مع تعذر انتشال الجثث العالقة تحت الأنقاض، في ظل شحّ أدوات الإنقاذ وانقطاع الكهرباء والوقود.

حصار خانق منذ يونيو 2024

الهجمات الأخيرة تأتي في سياق حصار خانق مفروض على الفاشر منذ 10 يونيو/حزيران 2024، حين شددت قوات الدعم السريع الطوق على المدينة، مانعة وصول الغذاء والدواء ومستلزمات الدفن. ومع مرور أكثر من عام على الحصار، تحولت حياة السكان إلى مأساة مركّبة: أزمة إنسانية خانقة، انعدام الخدمات الأساسية، وشلل في الحركة التجارية واللوجستية.
هذا الحصار الممنهج يعكس استراتيجية الدعم السريع الرامية إلى إنهاك المدينة وكسر إرادة سكانها، في وقتٍ لم تفلح فيه مناشدات المنظمات الإنسانية في الحصول على ممرات آمنة لإيصال الإغاثة.

الدعم الإماراتي.. البعد الإقليمي للمجزرة

رغم محاولة قوات الدعم السريع تصوير هجماتها كجزء من معركة عسكرية ضد الجيش السوداني، إلا أن طبيعة الاستهداف – مساجد، أحياء سكنية، بنية مدنية – تكشف أن الهدف هو إبادة جماعية ممنهجة، وليست مجرد مواجهة عسكرية.
المصادر الدبلوماسية والإعلامية تُجمع على أن الإمارات هي الممول الرئيسي للدعم السريع، حيث توفر له الإمدادات العسكرية والتمويل المالي والغطاء السياسي. تقارير أممية أشارت مرارًا إلى وجود جسور جوية إماراتية إلى تشاد وليبيا لنقل الأسلحة والذخائر التي تجد طريقها إلى قوات حميدتي. وبذلك تصبح المجازر في الفاشر وغيرها من مدن دارفور نتاجًا مباشرًا للتدخل الإقليمي الإماراتي، الذي يسعى لترجيح كفة الدعم السريع في حرب السيطرة على السودان.

صراع داخلي يتحول إلى حرب إقليمية

مع استمرار التصعيد، لم يعد الصراع في السودان شأنًا داخليًا بحتًا، بل تحوّل إلى مسرح صراع إقليمي ودولي. فبينما تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، يسعى الجيش السوداني إلى الاستناد على تحالفات مع قوى إقليمية أخرى، منها مصر وتشاد. النتيجة هي حرب بالوكالة يدفع المدنيون ثمنها الباهظ.
الهجوم على مسجد الفاشر وما تبعه من قصف للأحياء السكنية يظهر أن الحرب لم تعد تستهدف البنى العسكرية فقط، بل دخلت مرحلة الإبادة على أساس الهوية، خاصة وأن إقليم دارفور تاريخيًا عانى من جرائم مشابهة خلال العقدين الماضيين.

غياب الرد الدولي.. وتكرار المأساة

الأمم المتحدة والمنظمات الدولية اكتفت حتى الآن ببيانات “القلق العميق”، في حين لم تُتخذ إجراءات فعلية لوقف الهجمات أو كسر الحصار. هذا الصمت شجّع الدعم السريع ومن يقف خلفه على المضي قدماً في سياسة الأرض المحروقة.
المراقبون يرون أن تواطؤ القوى الكبرى، سواء بالصمت أو المصالح المرتبطة بالنفط والذهب السوداني، يجعل المدنيين في دارفور بلا سند حقيقي. وهو ما يفتح الباب أمام تكرار المجازر التي تعيد إلى الأذهان مذابح دارفور في مطلع الألفية.

خاتمة: الفاشر نموذج لمأساة السودان

بعد يوم دامٍ حُصدت فيه أرواح المصلين، عاد القصف ليحيل الفاشر إلى مدينة منكوبة محاصرة بالنار والجوع. وبينما يتبادل الجيش والدعم السريع السيطرة على مواقع ميدانية، يبقى المدنيون الضحية الأولى والأخيرة.
الوقائع على الأرض تؤكد أن المجازر ليست مجرد نتاج حرب أهلية، بل انعكاس مباشر لتدخلات إقليمية، في مقدمتها الإمارات التي توفر للدعم السريع القدرة على مواصلة حرب الإبادة.
وإلى أن يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف هذه الجرائم، ستظل الفاشر – ومعها مدن السودان الأخرى – شاهدة على أفظع صور التواطؤ الدولي والصمت الإنساني، حيث يختلط الدم بالخذلان، وتبقى العدالة مؤجلة في انتظار رادعٍ يوقف آلة القتل.

اقرأ أيضًا : معبر الكرامة.. رصاصة واحدة تشل شريان فلسطين والأردن