في خطوة جديدة تكشف عن عمق المأساة السودانية واستمرار تدويل أزمتها، أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين، تمديد العقوبات المفروضة على الأطراف الرئيسية في الحرب السودانية حتى 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2026. العقوبات، التي تشمل تجميد الأصول وحظر السفر، تستهدف عشرة أفراد وثمانية كيانات، توزعت بين قيادات عسكرية ومدنية بارزة في الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إضافة إلى شركات متورطة في صناعة السلاح وتمويل القتال.
هذا القرار يعكس –بحسب محللين– إدراك الاتحاد الأوروبي أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هي حرب معقدة تغذيها أطراف إقليمية ودولية، على رأسها الإمارات، التي وُجهت إليها أصابع الاتهام بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وهو ما جعلها شريكاً أساسياً في تدمير السودان ودفعه إلى حافة الانهيار.
تفاصيل العقوبات وأسماء المشمولين بها
العقوبات الأوروبية امتدت لتشمل قيادات عسكرية في القوات المسلحة السودانية، مثل:
- الفريق ميرغني إدريس سليمان، مدير منظومة الصناعات الدفاعية.
- الفريق الطاهر أحمد العوض، الرئيس السابق للقوات الجوية.
- علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية.
- صلاح قوش، المدير الأسبق لجهاز المخابرات.
- الفريق محمد علي صبير، مدير الاستخبارات العسكرية.
- أبو عاقلة كيكل، قائد قوات درع السودان.
أما على صعيد قوات الدعم السريع، فقد طالت العقوبات شخصيات نافذة مثل:
-
مصطفى محمد إبراهيم عبد النبي، المستشار المالي لقائد الدعم السريع.
-
مسار عبدالرحمن عسيل، قيادي أهلي بارز في غرب دارفور.
-
تجاني كرشوم، رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور.
-
حسين برشم، أحد أبرز القادة الميدانيين في المليشيا.
وعلى مستوى الكيانات، استهدفت العقوبات شركات تابعة للجيش مثل “منظومة الصناعات الدفاعية”، “اسمارت إنجنير”، “زادنا”، و”جي إس كي”. وفي المقابل، شملت من جانب الدعم السريع شركات بارزة منها: “الجنيد”، “ترادايف للتجارة”، “بنك الخليج”، و”رد روك للتعدين”.
العقوبات كأداة ضغط سياسي
الاتحاد الأوروبي برّر قراره بأن هذه الشخصيات والكيانات متورطة في زعزعة الاستقرار وعرقلة الانتقال السياسي في السودان. وتشمل التدابير حظر سفر إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي، وتجميد الأصول المالية، ومنع تزويدهم بأي موارد اقتصادية.
ويأتي ذلك ضمن إطار عقوبات خاص أُقر في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشهد لاحقاً إدراج مجموعات متتالية من الأسماء والكيانات خلال عامي 2024 و2025. وسبق أن أزال الاتحاد الأوروبي بعض الأسماء مثل عثمان محمد حامد عثمان وعبدالرحمن جمعة بارك الله في يناير الماضي، في خطوة اعتُبرت حينها تكتيكية لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
الولايات المتحدة وتحميل المسؤولية
لم يقتصر الضغط الدولي على أوروبا. ففي يناير الماضي، فرضت واشنطن عقوبات مباشرة على قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، متهمة إياه بالسعي إلى “إنهاء الصراع بالحرب لا بالمفاوضات”. كما اتهمت أعضاء في قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على محمد حمدان دقلو “حميدتي” وعدد من القادة المتحالفين معه.
هذه الخطوات تؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الحرب السودانية بوصفها تهديداً إقليمياً واسع النطاق، وليس مجرد شأن داخلي. كما أنها تفضح تواطؤ بعض القوى الإقليمية –وفي مقدمتها الإمارات– التي لعبت دور “المحرك الخفي” بتزويد قوات الدعم السريع بالمال والسلاح والذهب، ما أطال أمد الحرب وأغرق السودان في الدم.
الدور الإماراتي: الممول الخفي للحرب
منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، برز اسم الإمارات كأحد أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع، عبر شبكات تهريب الذهب وتمويل شراء الأسلحة. تقارير دولية وصحفية، بينها تحقيقات لوكالة “رويترز” و”وول ستريت جورنال”، كشفت عن مسارات معقدة لتحويل الأموال وشراء السلاح عبر شركات وهمية وبنوك إقليمية، ساهمت في إمداد المليشيات بما تحتاجه لمواصلة القتال.
هذه السياسة جعلت أبوظبي شريكاً فعلياً في تدمير السودان، حيث لم يقتصر تدخلها على التمويل العسكري، بل تعدى إلى إعادة إنتاج نمط الحروب بالوكالة الذي مارسته في اليمن وليبيا. النتيجة: آلاف القتلى والجرحى، ملايين النازحين، وتفكيك الدولة السودانية لصالح صراعات إقليمية أكبر.
انعكاسات العقوبات على المشهد السوداني
تمديد العقوبات الأوروبية حتى 2026 يحمل دلالات عدة:
-
اليأس من الحل القريب: فالاتحاد الأوروبي يدرك أن الحرب لن تنتهي قريباً، وأن العقوبات أداة طويلة الأمد للضغط.
-
استهداف شبكات التمويل: إدراج شركات وبنوك ضمن القائمة يعكس تركيزاً على تجفيف منابع التمويل، خصوصاً تلك المرتبطة بالإمارات.
-
إشارة للفاعلين الإقليميين: الرسالة موجهة أيضاً إلى أبوظبي وغيرها من العواصم المتورطة، بأن دعم الحرب لن يمر دون تكلفة سياسية ودبلوماسية.
- تأكيد المسار الدبلوماسي: الاتحاد شدد في بياناته على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة للتفاوض، ما يعني أن العقوبات ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لدفع الأطراف نحو الحل السياسي.
خاتمة: السودان رهينة الحروب بالوكالة
بينما يواصل السودانيون دفع الثمن دماءً وتشريداً وجوعاً، يصر الاتحاد الأوروبي على استخدام العقوبات كوسيلة ضغط، في حين تبقى الإمارات اللاعب الأخطر الذي يغذي أتون الحرب عبر المال والسلاح.
تمديد العقوبات حتى 2026 يثبت أن المجتمع الدولي بات مقتنعاً بأن السودان أصبح ساحة حرب بالوكالة، وأن مفتاح الحل يكمن في كبح التدخلات الخارجية، خصوصاً الإماراتية، وإجبار الأطراف السودانية على العودة إلى مسار سياسي يعكس تطلعات الشعب في الحرية والسلام والعدالة.
لكن، وحتى إشعار آخر، يظل السودان أسيراً لحرب صنعتها أيادٍ إقليمية، وباركتها قوى دولية، في مشهد يختزل مأساة دولة تمزقها الطموحات الخارجية قبل أن ينهشها صراع الداخل.
اقرأ أيضًا : الإمارات خلف المجازر.. الفاشر تحت نيران الدعم السريع