في خطوة بدت مفاجئة لكثير من المراقبين، أعلنت دولة الإمارات دعمها لوحدة الأراضي الصومالية، وذلك في بيان مشترك مع الاتحاد الإفريقي عقب لقاء جمع الطرفين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. البيان شدد على دعم “سيادة الصومال وسلامة أراضيه وأمنه واستقراره”، في أول موقف إماراتي معلن من نوعه منذ إعلان إسرائيل اعترافها بما يُسمى “أرض الصومال” كدولة مستقلة.
غير أن هذا الإعلان، بدل أن يبدد المخاوف، أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول حقيقة الدور الإماراتي في القرن الإفريقي، ومدى انسجام هذا الخطاب مع سياساتها الفعلية على الأرض.

غياب لافت عن الرفض العربي والإسلامي
البيان الإماراتي جاء بعد أيام من موقف عربي وإسلامي واسع رفض الاعتراف الإسرائيلي بـأرض الصومال، شاركت فيه منظمة التعاون الإسلامي و21 دولة عربية وإسلامية. اللافت أن الإمارات لم تكن ضمن هذا الموقف الجماعي، وهو ما أثار انتقادات حادة، خاصة أن الاعتراف الإسرائيلي عُدّ “سابقة خطيرة” تهدد السلم والأمن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
هذا الغياب أعطى الانطباع بأن الموقف الإماراتي المتأخر لا يعكس تحولًا جوهريًا، بقدر ما يمثل محاولة لاحتواء تداعيات سياسية وإعلامية متصاعدة.
سجل إماراتي ملتبس في الصومال
على مدى سنوات، ارتبط اسم الإمارات بملف الصومال من زاوية مثيرة للجدل. فإلى جانب العلاقات الرسمية مع الحكومة الفدرالية، نسجت أبوظبي علاقات مباشرة مع سلطات الإقليم الانفصالي في “أرض الصومال”، شملت استثمارات في الموانئ وترتيبات أمنية، بعيدًا عن العاصمة مقديشو.
هذا السلوك عزز قناعة لدى قطاعات واسعة من الصوماليين بأن الإمارات لعبت دورًا في تكريس الانقسام، حتى وإن رفعت اليوم شعار دعم وحدة الصومال في البيانات الرسمية.
السودان.. خطاب إنساني وممارسة متناقضة
في الشق المتعلق بالسودان، دعا البيان المشترك إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، ووقف دائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى محاسبة منتهكي القانون الدولي الإنساني، وتشكيل حكومة مدنية مستقلة.
لكن هذا الخطاب يصطدم باتهامات متكررة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، أحد أطراف الصراع الرئيسيين في البلاد، والمتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، خصوصًا في دارفور.
دعم الميليشيات ومخاطر التقسيم
منتقدو السياسة الإماراتية يرون أن دعم قوات الدعم السريع لا يهدف فقط إلى ترجيح كفة عسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة المشهد السياسي في السودان، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات تفكيك الدولة وتقسيمها على أسس جهوية وقبلية.
ومن هنا، تبدو الدعوة الإماراتية إلى “حكومة مدنية مستقلة” في نظر هؤلاء مجرد شعار، طالما استمر دعم طرف مسلح يقوض أي انتقال سياسي حقيقي.
القرن الإفريقي كساحة نفوذ
يربط محللون بين موقفي الصومال والسودان في بيان واحد، معتبرين أن ذلك يعكس رؤية إماراتية أوسع للقرن الإفريقي بوصفه ساحة نفوذ استراتيجية. ففي هذه المنطقة الحساسة، تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وتسعى أبوظبي إلى ترسيخ حضورها عبر الاقتصاد والأمن والتحالفات المحلية، حتى وإن أدى ذلك –وفق منتقديها– إلى تغذية النزعات الانفصالية وعدم الاستقرار.
بين الخطاب والممارسة
خلاصة المشهد أن الإمارات تحاول الظهور اليوم بوجه دبلوماسي يدعم وحدة الدول ووقف الحروب، لكن الوجه الآخر لا يزال حاضرًا في سياسات تُتهم بدعم فاعلين مسلحين وتغذية الانقسامات.
وبينما تؤكد البيانات الرسمية دعم وحدة الصومال والدعوة إلى هدنة في السودان، تبقى الأفعال على الأرض هي المعيار الحقيقي. فبدون مراجعة جذرية للسياسات، سيظل الحديث عن السيادة والسلام مجرد خطاب، في حين تستمر الصراعات في حصد الأرواح وتمزيق الدول من الداخل.
اقرأ أيضًا : السيسي يقتل المعتقلين ببطء.. الإهمال الطبي يحصد أرواح 3 سجناء في سجن بدر سيّئ الصيت