في واحدة من أكثر القضايا دلالة على طبيعة ما يجري داخل السجون المصرية، كشف مركز مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن وفاة ثلاثة معتقلين سياسيين داخل سجن بدر خلال ثلاثة أشهر فقط، نتيجة ما وصفه بـ«الإهمال الطبي المتعمد»، في وقائع تعكس – بحسب حقوقيين – سياسة قتل بطيء تمارسها الدولة بحق خصومها خلف القضبان، في ظل صمت رسمي وتجاهل قضائي متواصل.

القضية، التي استند فيها المركز الحقوقي إلى رسالة مسربة من داخل السجن، لا تتعلق بحوادث فردية أو أخطاء طبية عارضة، بل تكشف نمطًا متكررًا من سوء الرعاية الصحية، والتأخير المتعمد في التشخيص والعلاج، وربط نقل المرضى بموافقات أمنية، في انتهاك صريح لأبسط المعايير الطبية والقانونية.

رحلة موت مريض داخل الزنزانة

الحالة الأولى هي المعتقل إسلام محمود عبد الفتاح، الذي اعتُقل في مارس/آذار 2022، وتعرض للاختفاء القسري ثلاثة أشهر قبل إيداعه سجن بدر 3. ووفق الرسالة، بدأ تدهور حالته الصحية بعد أشهر من دخوله السجن، حيث ظل يتردد على عيادة السجن دون تشخيص حقيقي، إلى أن قرر الطبيب – دون فحوصات أو تحاليل – اعتباره مريض «درن».

لم تتوقف المأساة عند التشخيص البدائي، بل تعمقت مع رفض إدارة السجن نقله في سيارة إسعاف لتلقي العلاج الإشعاعي في معهد الأورام، رغم علمها ببروتوكول العلاج وخطورة التأخير. وبعد عام كامل من المعاناة، صدر أخيرًا قرار بحجزه في معهد الأورام، لكنه توفي داخل المركز الطبي في بدر قبل تنفيذ القرار، في مشهد يلخص معنى «الموت انتظارًا».

طبيب وأستاذ جامعي.. النهاية نفسها

الحالة الثانية تخص علاء محمد العزب، أخصائي العلاج الطبي وأستاذ بكلية طب جامعة عين شمس ونائب برلماني سابق. اعتُقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وتعرض للاختفاء القسري شهرين. وبعد تدهور صحته، نُقل متأخرًا إلى مستشفى المنيا الجامعي، حيث تبين إصابته بسرطان متقدم في البنكرياس.

ورغم خطورة حالته، أعيد إلى سجن بدر، وتلقى جرعة علاج واحدة فقط، قبل أن يتوفى في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في سباق خاسر مع الوقت والإهمال وقرارات النقل الأمنية.

«لا أسرّة».. ذريعة للموت

أما الحالة الثالثة، فهي للمعتقل عطا يوسف عبد اللطيف محمد، أستاذ الفيزياء بجامعة أسيوط، المعتقل منذ أغسطس/آب 2022. كان يعاني من مرض بالقلب، ومع تدهور حالته تبين إصابته بورم خبيث في المعدة والإثني عشر، بعد اكتشاف نقص حاد في الهيموغلوبين.

ورغم خطورة وضعه، أعيد إلى زنزانته بحجة «عدم توفر أسرّة»، قبل نقله متأخرًا إلى مستشفى القصر العيني، حيث توفي في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

منظومة إهمال لا حالات فردية

الرسالة المسربة لم تتوقف عند هذه الوفيات، بل تحدثت عن حالات أخرى لمعتقلين مصابين بأورام خبيثة، مثل أسامة محمد العراقي (27 عامًا) وأسامة ماهر (31 عامًا)، دون تلقي أي علاج حتى الآن، ما يعزز المخاوف من موجة وفيات جديدة.

كما سلطت الضوء على أسباب تفاقم الأمراض، من سوء التغذية، وغياب التهوية، ومنع الحركة والتعرض للشمس، والاكتئاب الناتج عن الحرمان من الزيارة، إضافة إلى استخدام أدوات معيشة غير صحية لفترات طويلة.

الأخطر – بحسب الشهادات – أن أطباء العيادات ممارسون عموميون يكتفون بالمسكنات، بينما يُعلّق تحويل المرضى إلى مستشفيات متخصصة على موافقات أمنية، في خلط فاضح بين الأمن والطب، يدفع ثمنه السجناء أرواحهم.

مسؤولية سياسية وقضائية

حمّل مركز الشهاب النائب العام المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، بسبب تقاعس النيابة عن التحقيق في مئات الشكاوى، معتبرًا أن ما يجري في سجن بدر 3 نموذج مصغر لما يحدث في السجون المصرية عمومًا.

وفي المحصلة، تعيد هذه الوقائع طرح السؤال الجوهري: هل ما يحدث مجرد إهمال، أم سياسة ممنهجة تُدار بعلم السلطة؟ بالنسبة لحقوقيين كثر، الإجابة واضحة: في ظل نظام يقوده عبد الفتاح السيسي، لم تعد السجون أماكن احتجاز، بل تحولت إلى ساحات قتل بطيء، تُدار بالحرمان والمرض والانتظار… حتى الموت.

اقرأ أيضا : إجرام الاحتلال يصعّد المواجهة المفتوحة في الضفة المحتلة