في خطوة عسكرية لافتة وسط أجواء الحرب الطاحنة في السودان، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، قرارًا بتشكيل رئاسة جديدة لهيئة الأركان بقيادة الفريق أول محمد عثمان الحسن، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول خلفيات هذه التغييرات ودلالاتها الميدانية والسياسية، خاصة مع تفاقم الاتهامات لدور الإمارات في تأجيج الحرب ودعم قوات “الدعم السريع” التي تدمّر البلاد.

تغييرات شاملة في قيادة الجيش
بحسب بيان المتحدث باسم الجيش، نبيل عبد الله، فإن التشكيل الجديد شمل إعادة هيكلة موسعة داخل هيئة الأركان. فقد تم تعيين الفريق أول محمد عثمان الحسن رئيسًا للهيئة، والفريق مجدي إبراهيم عثمان نائبًا لشؤون الإمداد، والفريق خالد عابدين الشامي نائبًا لشؤون التدريب، والفريق عبد الخير عبد الله ناصر نائبًا لشؤون الإدارة. كما ضم القرار الفريق مالك الطيب خوجلي نائبًا لشؤون العمليات، والفريق محمد علي أحمد صبير رئيسًا لهيئة الاستخبارات العسكرية.
إلى جانب ذلك، تمت ترقية وتعيين الفريق معتصم عباس التوم مفتشًا عامًا للقوات المسلحة، والفريق علي عجبنا محمد قائدًا للقوات الجوية، والفريق زكريا إبراهيم محمد مديرًا للإدارة العامة للخدمات الطبية، واللواء عمر سر الختم حسن قائدًا لقوات الدفاع الجوي. وفي المقابل، أحيل ثلاثة من القادة الكبار إلى التقاعد، في خطوة اعتبرها مراقبون “تصفية هادئة” لإعادة ترتيب البيت العسكري الداخلي بما يتوافق مع استراتيجية البرهان الحالية.
إخضاع القوات المساندة لقانون الجيش
اللافت أن هذه القرارات جاءت بعد يوم واحد فقط من إصدار البرهان أمرًا بإخضاع القوات المساندة التي تقاتل إلى جانب الجيش، لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007. هذا القرار استهدف تقنين وضع التشكيلات المسلحة التي ظهرت خلال الحرب، مثل “قوات درع السودان”، “فيلق البراء بن مالك”، و”المقاومة الشعبية”، فضلًا عن بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، والتي انخرطت في المعارك ضد “الدعم السريع” تحت مظلة “القوات المشتركة”.
هذه الخطوة تحمل دلالات واضحة على محاولة البرهان إنهاء حالة “التعدد المسلح” وضبط المشهد القتالي، بحيث يبقى الجيش هو المظلة القانونية الوحيدة للسلاح، في مواجهة خصمه الأخطر: قوات الدعم السريع المدعومة ماليًا وعسكريًا من الإمارات، وفق اتهامات متكررة من تقارير أممية ومصادر استخباراتية.
دلالات التوقيت: إعادة هيكلة للمعركة أم ترميم للجيش؟
يأتي هذا التشكيل في لحظة حساسة من عمر الحرب الدامية المستمرة منذ 15 أبريل 2023، والتي خلفت أكثر من 20 ألف قتيل رسميًا (و130 ألفًا وفق تقديرات أكاديمية أمريكية)، وتسببت في نزوح ولجوء نحو 15 مليون سوداني، أي ما يعادل ثلث السكان. وفي ظل هذا المشهد الكارثي، فإن إعادة هيكلة هيئة الأركان ليست مجرد تغيير إداري، بل محاولة لإعادة الثقة داخل المؤسسة العسكرية بعد خسائر فادحة وتراجع في بعض الجبهات.
كما يسعى البرهان إلى تعزيز الولاء داخل الجيش وتوحيد القرار العسكري، بعد أن تكاثرت الانقسامات والاتهامات بالفساد والإخفاق في إدارة المعركة. لكن يبقى السؤال: هل تكفي هذه التغييرات لإعادة التوازن العسكري أمام قوات الدعم السريع التي تلقت دعمًا سخيًا من الخارج، خصوصًا من أبوظبي، التي تتهمها أطراف سودانية بأنها تعمل على تقسيم البلاد ونهب ثرواتها عبر وكلاء محليين؟
الإمارات ودورها في تدمير السودان
لا يمكن قراءة قرارات البرهان بمعزل عن الدور الخارجي في الحرب، وعلى رأسه الإمارات التي يصفها كثير من السودانيين بأنها “المحرك الخفي” لصراع الخرطوم. فالتقارير الأممية والصحافة الدولية كشفت مرارًا عن تورط أبوظبي في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وتسهيل نقل السلاح والذخائر عبر الأراضي الليبية والتشادية. والهدف، بحسب محللين، ليس سوى تحويل السودان إلى ساحة صراع مفتوح يضمن للإمارات نفوذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وموارد الذهب.
ويعتبر مراقبون أن كل إصلاحات البرهان العسكرية تبقى شكلية ما دامت الإمارات قادرة على ضخ المال والسلاح إلى قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعائلته، الأمر الذي يطيل أمد الحرب ويفاقم معاناة المدنيين. بل إن بعض الأصوات ترى أن أبوظبي تسعى لإطالة النزاع عمدًا حتى تفرض لاحقًا تسوية سياسية تخدم مصالحها الاقتصادية والعسكرية.
مستقبل المؤسسة العسكرية
إعادة تشكيل هيئة الأركان قد تعطي الجيش دفعة تنظيمية لمواصلة الحرب، لكنها أيضًا تحمل رسائل سياسية للداخل والخارج. فهي موجهة لطمأنة أنصار البرهان بأن المؤسسة العسكرية ما زالت متماسكة، ولإقناع المجتمع الدولي بأن الجيش قادر على إعادة الانضباط والسيطرة. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية مواجهة الدعم السريع في ظل استمرار التدخل الإماراتي الذي يعطل أي مسار للحل السياسي أو العسكري.
ويخشى محللون أن تتحول هذه التغييرات إلى مجرد إعادة تدوير للقيادات، من دون أن تحقق تحولًا حقيقيًا في الميدان. خصوصًا أن قوات الدعم السريع ما زالت تسيطر على أجزاء واسعة من دارفور والخرطوم، وتتمتع بدعم مالي ضخم يتيح لها الاستمرار في شراء المرتزقة والعتاد.
خاتمة
قرارات البرهان الأخيرة بتشكيل قيادة جديدة لهيئة الأركان السودانية تبدو كخطوة اضطرارية لترميم الجيش المنهك، لكنها لن تحسم وحدها مصير الحرب.
فالمعادلة في السودان اليوم لم تعد عسكرية بحتة، بل باتت مرتبطة بشبكة إقليمية معقدة تقودها الإمارات، التي ساهمت بشكل مباشر في تدمير السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي والسياسي عبر دعمها لقوات الدعم السريع. وهنا يبرز التساؤل الكبير: هل يستطيع الجيش السوداني الصمود وإعادة توحيد البلاد، أم أن تدخلات أبوظبي ستبقي السودان رهينة للفوضى والانهيار؟
اقرأ أيضًا : اختراق إيراني يفضح هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية