في مشهد غير مسبوق يعكس عمق الغضب الشعبي تجاه التدخلات الإماراتية في اليمن، قام محتجون غاضبون في مدينتي المكلا والشحر شرقي البلاد بتمزيق صور رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد ووالده زايد آل نهيان، في رسالة قوية تؤكد رفض الشارع اليمني للوصاية الخارجية، خاصة من طرف أبوظبي التي باتت تُتهم على نطاق واسع بأنها تقف خلف الانهيار الأمني والخدمي في البلاد، وتحديداً في المناطق الجنوبية والساحلية.

الغضب الشعبي في حضرموت.. نار تحت الرماد
اندلعت شرارة الاحتجاجات في محافظة حضرموت، أكبر محافظات اليمن مساحةً والأغنى بالنفط، نتيجة تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية، وانهيار شبه تام للخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء. فقد شهدت مدينة المكلا، عاصمة المحافظة، انقطاعاً كلياً في التيار الكهربائي بسبب نفاد الوقود، وسط عجز السلطات المحلية عن توفير البدائل أو وضع حلول إسعافية.
هذا الانهيار دفع السكان إلى الخروج إلى الشوارع، حيث اقتحموا عدة مؤسسات حكومية بينها محطة كهرباء رئيسية ومبنى السلطة المحلية، في مشهد يتكرر في مدن يمنية أخرى تعاني من نفس الأزمات. أما اللافت في احتجاجات حضرموت هذه المرة، فهو تجاوز الغضب حدود المطالب الخدمية إلى الهجوم المباشر على رموز السلطة الداعمة للنفوذ الإماراتي، بما في ذلك صور بن زايد والقيادي الانفصالي عيدروس الزبيدي.
إسقاط الرموز.. تمزيق صور بن زايد والزبيدي
تداول ناشطون يمنيون مقاطع مصورة من مدينة المكلا، تظهر قيام محتجين بإنزال صور محمد بن زايد ووالده من أعمدة الإنارة والساحات العامة، وتمزيقها أمام أعين المارة، في إشارة رمزية إلى سقوط مشروع الإمارات في جنوب اليمن، وانهيار شعبيته بشكل كبير. ولم تقتصر المشاهد على صور بن زايد، بل طالت أيضا صور عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعد الذراع الأبرز لأبوظبي في اليمن.
وتكشف هذه الخطوة الرمزية حجم الرفض الشعبي الواسع للدور الإماراتي في اليمن، والذي لم يعد يقتصر على النخب السياسية، بل امتد ليصل إلى الشارع الغاضب الذي بات يربط بوضوح بين سوء الأوضاع والمعاناة اليومية وبين سياسات “التحالف العربي” وتحديداً أبوظبي.
الإمارات.. الحاكم غير المعلن لجنوب اليمن
منذ تدخلها العسكري في اليمن عام 2015 تحت مظلة “التحالف العربي”، لم تخفِ دولة الإمارات طموحاتها بالسيطرة على جنوب اليمن، لا سيما الموانئ والسواحل الاستراتيجية، ومن ضمنها حضرموت. وقد دعمت أبوظبي تشكيل ميليشيات محلية خارج سيطرة الدولة مثل قوات “النخبة الحضرمية” و”الحزام الأمني”، وأقامت قواعد عسكرية في المكلا وسقطرى وعدن.
وبدل أن تسهم في استقرار اليمن أو دعم سلطته الشرعية، لعبت الإمارات دوراً محورياً في تقسيم البلاد وتعميق الصراعات المحلية، مستخدمة أدوات محلية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي كواجهة لمشاريعها الخاصة. واليوم، وبعد سنوات من التلاعب بخريطة اليمن، تدفع حضرموت الثمن من خلال الانهيار الكامل في الخدمات، وغياب التنمية رغم ثرواتها النفطية الضخمة.
تصعيد سياسي ومؤشرات انفجار
يأتي هذا الغضب الشعبي في توقيت سياسي حرج، خاصة بعد منع لجنة برلمانية يمنية مكلفة بالتحقيق في الفساد والإخفاقات الإدارية من أداء مهامها، حيث تم حصارها في مقر إقامتها في المكلا وإجبارها على مغادرة المدينة. الخطوة أثارت تساؤلات عن الجهات المتنفذة التي لا تريد الشفافية أو كشف الفساد في المحافظة، وهو ما زاد من غضب الشارع ودفعه لمزيد من التصعيد.
كما شهدت مناطق أخرى في حضرموت احتجاجات مماثلة، رُفعت فيها شعارات تطالب برحيل قيادات السلطة المحلية، وتتهمها بالتواطؤ مع أجندات خارجية وبالتحديد الإماراتية. الهتافات المناوئة لمجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي عكست انكسار صورة من كانوا يقدمون أنفسهم كـ”محررين” للجنوب، فإذا بهم يتحولون إلى وجه آخر للاحتلال المقنع.
هل اقتربت لحظة الانفجار؟
تكشف هذه الأحداث أن حضرموت تقف اليوم على برميل بارود. فالشارع الغاضب لم يعد يكتفي بالمطالبة بالخدمات، بل بدأ يُحمّل أطرافاً خارجية مسؤولية المعاناة، وعلى رأسها الإمارات. وتمزيق صور بن زايد والزبيدي لم يكن مجرد عمل عفوي، بل تعبير صريح عن سقوط المشروع الإماراتي في اليمن، وتراجع تأثيره بعد أن تآكلت أدواته المحلية سياسياً وشعبياً.
ومن الواضح أن استمرار تجاهل هذه التحذيرات الشعبية قد يؤدي إلى تصعيد أوسع، وربما إعادة رسم التحالفات المحلية من جديد، مع تصاعد نداءات تطالب بعودة القرار اليمني إلى أهله، ورفض كل أشكال الاحتلال السياسي والاقتصادي المقنع تحت غطاء التحالف أو الشرعية الزائفة.
خاتمة: المكلا تنادي.. كفى عبثًا إماراتيًا
رسالة الشارع الحضرمي كانت واضحة: لم يعد مقبولاً الصمت على الهيمنة الإماراتية، ولم تعد لافتات “الشكر للإمارات” تخدع أحداً. فالمكلا، المدينة النفطية الجميلة، تعيش ظلاماً حرفياً بسبب انقطاع الكهرباء، وظلامًا سياسيًا نتيجة الفساد والتدخلات الخارجية.
اليوم، تمزيق صور بن زايد في المكلا ليس مجرد احتجاج، بل هو تحذير صريح: الشعوب قد تصبر، لكن حين تثور، فإنها لا تفرق بين عدو خارجي وأداة محلية خانت الأمانة.
اقرأ أيضًا : شرارة الغضب تقترب.. هل يعيد مقتل 6 مصريين مشهد يناير؟