هل يكرر التاريخ نفسه في مصر؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة بعد سلسلة من الحوادث المروعة التي شهدتها البلاد مؤخرا، حيث توفي ستة مواطنين في أقل من أسبوع، في ظروف قاسية، تشير بأصابع الاتهام مجددًا إلى ممارسات التعذيب وسوء المعاملة داخل أقسام الشرطة ومقار الأمن الوطني. 

في مشهد يذكّر المصريين بواقعة مقتل خالد سعيد عام 2010، التي فجّرت واحدة من أهم ثورات العصر الحديث، تعيش مصر اليوم حالة احتقان شعبي تتقاطع فيها الأزمات الأمنية مع الأوضاع المعيشية الخانقة، ما يجعل انفجار الشارع المصري مرة أخرى احتمالًا أقرب مما يتوقعه النظام.

الوقائع المروعة: سلسلة قتل في أقسام الشرطة

خلال أسبوع واحد، سُجلت ست حالات وفاة لموقوفين داخل أقسام الشرطة في محافظات مختلفة، مما أثار موجة من الغضب والذعر بين المواطنين. أبرز هذه الحوادث وقعت في مركز شرطة بلقاس بمحافظة الدقهلية، حيث توفي الشاب أيمن صبري (21 عامًا) بعد أقل من أسبوع على احتجازه، وسط تأكيدات من أسرته وحقوقيين أنه قضى تحت التعذيب. لم تكد هذه الواقعة تهدأ حتى هزّت مصر حادثة أخرى بمركز شرطة الصف، حيث لقي الشاب كريم محمد عبده (26 عامًا) المصير ذاته في ظروف مشابهة.

كما توفي شابان آخران، هما محسن مصطفى وأحمد عبدالوهاب، بعد احتجازهما داخل قسم شرطة المعصرة، إثر ما قيل إنه اقتحام لمقر الأمن الوطني في المعصرة واحتجاز ضباط لمدة خمس ساعات، في واقعة غير مسبوقة من حيث نوعها وتداعياتها، وكأنها إعادة تمثيل لاقتحامات مقار “أمن الدولة” في الأيام الأولى من ثورة يناير.

ولم تكن قضية “بولاق الدكرور” بعيدة عن هذا السياق، حيث أعلنت الداخلية عن مقتل شابين في شقة سكنية زعمت أنها تابعة لخلية إرهابية، لكن منظمات حقوقية شككت في الرواية الرسمية، مؤكدة أن الشابين كانا موقوفين سابقًا وتمت تصفيتهما خارج إطار القانون.

غضب شعبي يلوح بالأفق

تتزايد المؤشرات على أن الشارع المصري بدأ يفقد صبره. فمع كل جريمة جديدة ترتكبها قوات الأمن، تتراجع قدرة الناس على كتم غضبهم. هذا ما بدا واضحا في تظاهرات مدينة بلقاس، حيث خرج المئات يهتفون ضد النظام ويطالبون برحيل عبد الفتاح السيسي، في مشهد نادر منذ حملة القمع التي أعقبت مظاهرات سبتمبر 2019 و2020.

الاحتجاجات لم تمر دون رد عنيف من قوات الأمن التي أطلقت الرصاص لتفريق المتظاهرين، ما يذكر المصريين بمشاهد ثورة يناير، حين حاول النظام إسكات أصوات الغضب بالنار، فكان الرد ثورة هزت عرش مبارك.

قمع متصاعد وقضاء على الهامش

ترافق التصعيد الأمني مع موجة اعتقالات جديدة استهدفت ناشطين ومدونين ومعتقلين سابقين أُفرج عنهم في السنوات الماضية. القضاء بدوره، استمر في إصدار أحكام قاسية، من بينها الحكم بالسجن خمس سنوات على أحمد أبوالفتوح، نجل السياسي المعروف عبد المنعم أبوالفتوح، إضافة إلى أحكام بالسجن ضد 30 معتقلا في ما يعرف بقضية “خلية الجوكر”، وهي قضية تعود لتظاهرات سبتمبر 2019.

في الوقت ذاته، أعيد فتح تحقيق جديد بحق الناشط السياسي أحمد دومة، ما يؤشر إلى إصرار النظام على القضاء على أي صوت معارض، حتى لو خرج من السجن.

تحريض إعلامي يسبق العنف الرسمي

ولم تكتف السلطة بأجهزتها الأمنية، بل أوكلت للأذرع الإعلامية مهمة التحريض على العنف، حيث دعا المذيع المعروف أحمد موسى، إلى استخدام “القوة الغاشمة” وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مئات من المعتقلين السياسيين. هذه الدعوات لم تأتِ من فراغ، بل تمثل ما يشبه التمهيد الإعلامي لموجة قمع جديدة.

رسائل تهدئة.. هل يستمع السيسي؟

وسط هذا المشهد القاتم، حاول عدد من السياسيين والحقوقيين إطلاق نداءات تهدئة، عبر بيان مشترك وقّع عليه عشرات الشخصيات العامة، طالبوا فيه بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف القبضة الأمنية. البيان يعكس حجم القلق حتى في أوساط محسوبة على التيار المدني، من انفجار قادم لا يمكن احتواؤه إن استمر النظام في سياساته الراهنة.

انفجار وشيك.. أزمات غزة والغلاء في الخلفية

ما يضاعف من احتمالات الغضب الشعبي أن هذه الجرائم تأتي في سياق مشحون، إذ يعاني المصريون من أزمات معيشية خانقة، أبرزها الغلاء الفاحش، وتدهور الخدمات العامة، وانقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، حتى في العاصمة.

إضافة إلى ذلك، يزداد الغضب الشعبي من الموقف المصري الرسمي المتواطئ -وفق رأي قطاعات واسعة من الشارع- مع الحصار المفروض على غزة، في وقت تتزايد فيه مشاهد المجازر الإسرائيلية. واقعة اقتحام قسم المعصرة من شابين لمطالبة النظام بفتح معبر رفح تعكس بوضوح هذا الارتباط بين السياسات الداخلية والخارجية للنظام، ومدى ارتباطها بحالة الاحتقان الشعبي.

خاتمة: هل تتكرر يناير؟

النظام المصري يبدو غير مكترث بإشارات الخطر القادمة من الشارع، وربما يراهن على القمع والإرهاب لإسكات الأصوات. لكن التاريخ القريب يؤكد أن الشعوب لا تصمت إلى الأبد. وتمامًا كما فجّر مقتل خالد سعيد شرارة الثورة في 2011، فإن جرائم اليوم، من بلقاس إلى المعصرة، قد تكون هي الأخرى مقدمات لانفجار جديد، في توقيت يراه المراقبون الأسوأ على الإطلاق، خاصة مع تقاطع الأزمات الداخلية مع الغضب الإقليمي من الموقف المصري تجاه غزة.

اقرأ أيضًا : علماء المسلمين: مصر قادرة على قيادة تحالف إسلامي.. لكن السيسي خذل غزة!