في لحظة فارقة تعيد رسم خريطة الصراع السوداني، أعلنت قوات الدعم السريع تحقيق تقدم جديد غرب ولاية كردفان، وسيطرتها على مواقع عسكرية وممرات حيوية تربط الإقليم بدارفور والوسط. ورغم أن هذا التطور الميداني يبدو في ظاهره جزءًا من معركة النفوذ بين الجيش والدعم السريع، إلا أن خلفيته السياسية تكشف عن دور خارجي أعمق وأكثر خطورة، تتصدره الإمارات التي أصبحت اليوم أحد أبرز الأطراف المتهمة بتأجيج الحرب وتعقيد أي مسار نحو السلام.
تقدّم الدعم السريع في غرب كردفان ليس مجرد انتصار عسكري عابر، بل هو حلقة جديدة في سلسلة تمدد ممنهج بدأته القوات منذ بداية الحرب، مستفيدة من دعم خارجي مكثف مكّنها من الحفاظ على قوتها رغم العقوبات والاتهامات الدولية. ويأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه الاتهامات للإمارات بأنها المحرك الخفي الذي يغذي الصراع بالمال والعتاد، وأن تمدد الدعم السريع ليس إلا انعكاسًا مباشراً لهذا الدعم.

بابنوسة.. بوابة السيطرة على الغرب
تقدم الدعم السريع في المناطق الغربية من كردفان، خاصة بالقرب من بابنوسة، يحمل دلالات عسكرية كبيرة. فالمدينة تعد نقطة اتصال حيوية بين دارفور والخرطوم، والسيطرة عليها تمنح قوات الدعم السريع قدرة غير مسبوقة على المناورة وإعادة التموضع، كما تسمح لها بقطع خطوط الإمداد عن الجيش وإحكام قبضتها على غرب البلاد.
هذا التطور لا يمكن عزله عن سياق أوسع: الدعم السريع لم يكن ليحقق هذا الزخم لولا موارد ضخمة تتدفق إليه من الخارج. المعارك المتواصلة، الذخائر التي لا تنفد، القدرة على التحرك السريع، كلها مؤشرات على دعم نوعي ومستمر. وهنا يظهر اسم الإمارات كفاعل محوري متهم بتغذية هذا المسار، رغم محاولاتها المستمرة تبييض صورتها عبر تصريحات دبلوماسية للاستهلاك الإعلامي.
الإمارات.. من وسيط مزعوم إلى لاعب مباشر
على مستوى الخطاب، تصر أبوظبي على أنها طرف محايد يسعى لوقف إطلاق النار، لكنها في العمق تحولت إلى أحد أهم مصادر التمويل والتسليح لقوات الدعم السريع، وفق ما يؤكده الواقع الميداني. الاتساق اللوجستي الذي تحظى به مليشيا الدعم، وقدرتها على فتح جبهات جديدة وتثبيت وجودها في مناطق حساسة، لا يمكن تفسيره إلا بوجود دعم خارجي منظم، يتجاوز مجرد التعاطف السياسي إلى تزويد فعلي بالموارد.
هذا الدور يجعل الإمارات — رغم إنكارها — مؤججة للحرب ومسؤولة أخلاقياً وسياسياً عن استمرار النزاع، لأنها أسهمت في خلق قوة موازية للجيش السوداني تعمل خارج سلطة الدولة، وتفرض وقائع دموية على الأرض.
كما أن اتساع نفوذ الدعم السريع في الغرب يخدم أهدافًا اقتصادية إماراتية ترتبط بالذهب ومسارات التجارة، ما يكشف أن دوافع أبوظبي ليست إنسانية ولا سياسية فقط، بل اقتصادية بالدرجة الأولى، قائمة على السيطرة على الموارد عبر وكلاء محليين.
الجيش السوداني يستشعر الخطر
الجيش من جانبه يدرك أن معركته لم تعد مع مليشيا محلية فقط، بل مع مشروع إقليمي مدعوم بخبرات وأموال. ولهذا يكرر البرهان دعواته لضرورة تفكيك الدعم السريع نهائيًا، باعتباره تهديدًا وجوديًا للدولة السودانية. فالتنظيم الذي يحظى بغطاء خارجي وموارد مستقلة يمكن أن يتحول بسهولة إلى كيان موازٍ ينازع الدولة سلطتها، ويعيد إنتاج نموذج أمراء الحرب الذي أنهك دولاً أخرى في الإقليم.
التقدم في غرب كردفان يزيد الضغط على الجيش، ويهدد بفتح جبهات جديدة في ولايات أخرى، ما يضع السودان أمام احتمال توسّع النزاع وانزلاقه إلى مرحلة أكثر خطورة من التفكك الأمني.
السكان يدفعون الثمن
في كل مرة تتقدم فيها قوات الدعم السريع، يدفع المدنيون ثمنًا باهظًا. فهذه القوات ارتبط اسمها بالنهب والانتهاكات والتهجير القسري، من دارفور إلى الخرطوم. ومع انتقال المعارك إلى غرب كردفان، تتصاعد المخاوف من موجات نزوح جديدة، ومن تكرار الجرائم التي شهدتها مناطق أخرى.
ولأن الإمارات توفر الغطاء والدعم الذي يسمح لهذه القوة بالتمدد، فإنها تتحمل مسؤولية غير مباشرة عن الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم.
هل يقترب السلام؟
من الواضح أن أي حديث عن تسوية سياسية في ظل استمرار الدعم الخارجي للمليشيات هو مجرد وهم. فالحرب لا يمكن أن تتوقف بينما بعض القوى الإقليمية ترى في استمرارها فرصة لبسط نفوذها والسيطرة على الموارد. والإمارات، بتدخلها السافر في الملف السوداني، باتت أحد أهم العوائق أمام أي حل حقيقي.
فسلام السودان يتطلب قبل أي شيء تجفيف مصادر التمويل التي تغذي الحرب، ومحاسبة الأطراف الخارجية التي حولت البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة.
خلاصة
تقدم الدعم السريع غرب كردفان ليس مجرد انتصار ميداني، بل مؤشر على اتساع نفوذ مليشيا مسنودة من الخارج، وعلى رأس هذا الخارج الإمارات التي أصبحت — عمليًا — أحد أبرز مؤججي الحرب. ومع استمرار الدور الإماراتي، ستبقى النار مشتعلة، وسيظل السودان ينزف، ما لم تتوقف أبوظبي عن دعم المشروع الذي يهدد وحدة السودان واستقرار الإقليم بأكمله.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يبلغ ذروته في طوباس: إنزال جوي وحصار خانق يكشف نوايا التهجير