شهدت جبهات جنوب كردفان تحولًا لافتًا بعد إعلان الجيش السوداني استعادة عدة مناطق استراتيجية كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها، في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أبرز المكاسب الميدانية خلال الأسابيع الماضية. المناطق التي تمت استعادتها تشمل تبسة والدامرة وقردود جاما والموريب، وهي مواقع تمنح الجيش موقعًا أفضل للتحكم في طرق الإمداد والحركة داخل الولاية. هذا التقدم المفاجئ يرسل رسالة واضحة: الجيش لا يزال قادرًا على استعادة زمام المبادرة رغم طول أمد الحرب وتعقّدها، ورغم الدعم الإقليمي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي الذي أجّج النزاع وأطال عمره.
جنوب كردفان.. ساحة جديدة في الحرب التي أشعلتها التدخلات الخارجية
جنوب كردفان لطالما كانت منطقة معقدة بفعل خليطها القبلي وتاريخها الطويل مع النزاعات المسلحة، لكن دخولها بهذه القوة في قلب الحرب الحالية لم يكن محض صدفة. فالميليشيات المتحالفة مع الدعم السريع حاولت استخدام الولاية لتوسيع نطاق نفوذها داخل البلاد، معتمدين على تدفقات الدعم الخارجي الذي وفّر لهم السلاح والذخائر والتمويل. هذا الدعم، الذي ارتبط بالإمارات بصورة متكررة، كان عنصرًا أساسيًا في تمكين المتمردين من التمدد. لذلك فإن استعادة الجيش لهذه المناطق لا تُعد مجرد مكسب محلي، بل خطوة تعيد رسم خطوط النفوذ وتقلص قدرة الدعم السريع على توسيع رقعة الحرب.
الدور الإماراتي.. جذوة الحرب التي لا تنطفئ
لا يمكن قراءة المشهد السوداني بمعزل عن التدخلات الإقليمية، وعلى رأسها الدور الإماراتي الذي يُنظر إليه باعتباره العامل الأكبر في اشتعال الحرب واستمرارها. الدعم المالي والعسكري والسياسي الذي وصل إلى قوات الدعم السريع لم يكن مجرد مساعدة عابرة، بل كان جزءًا من مشروع إقليمي لإعادة تشكيل القوة داخل السودان لصالح وكلاء محدّدين. الإمارات، التي لطالما سعت لترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي ومنابع الذهب والتجارة عبر الخرطوم ودارفور، استخدمت الحرب كأداة ضغط لتأمين مصالحها، غير آبهة بثمن الدماء الذي يدفعه السودانيون.
ومع كل تقدم يحققه الجيش، يتكشف أكثر حجم هذا التدخل؛ فالميليشيات التي كانت تعتمد على خطوط إمداد مستمرة بدأت تفقد مواقعها واحدة تلو الأخرى، ما يثير سؤالًا كبيرًا: إلى أي مدى ستواصل الإمارات ضخ المزيد من الدعم لإنقاذ مشروعها في السودان؟
معارك جنوب كردفان.. تحوّل ميداني أم بداية النهاية؟
المعارك التي دارت في الأيام الماضية لم تكن اشتباكات محدودة، بل كانت مواجهات عنيفة استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة وحشود كبيرة من الجانبين، ما يعكس محاولة حقيقية من قوات الدعم السريع لإمساك الأرض وعدم خسارتها بسهولة. لكن انهيار خطوطهم في أكثر من نقطة يشير إلى اهتزاز قدراتهم وتراجع تأثير الدعم الخارجي في تمكينهم.
مع ذلك، فإن السؤال المطروح الآن: هل يمثل هذا التقدم بداية تراجع شامل للدعم السريع؟ أم أنها معركة ضمن سلسلة ستشتعل مجددًا في مناطق أخرى؟ الإجابة تعتمد على ما إذا كانت الدولة السودانية قادرة على خنق خطوط الإمداد التي تغذي المتمردين، وعلى ما إذا كان المجتمع الدولي سيواصل التغاضي عن الدور الخارجي الذي يساهم في إشعال الحرب.
التأثير الإنساني.. المدنيون يدفعون الثمن من جديد
رغم المكاسب العسكرية، يبقى سكان جنوب كردفان هم الطرف الأكثر تضررًا. فالمعارك الأخيرة أدت إلى نزوح آلاف الأسر، وانقطاع طرق الإمداد الإنسانية، وتعطّل الخدمات الأساسية. السيطرة المتغيرة على المناطق تُدخل المدنيين في دوامة من الخوف والتهجير، حيث لا توجد ضمانات أمنية حقيقية.
عودة الجيش إلى بعض المناطق قد تمنح السكان شعورًا بالاستقرار النسبي، لكنها لا تُنهي الخطر، خصوصًا مع توقع استمرار محاولات الدعم السريع لاستعادة مواقعهم أو فتح جبهات جديدة. ولطالما اعتبرت جنوب كردفان منطقة حساسة، تحول أي اضطراب فيها إلى موجة نزوح واسعة تضغط على الولايات المجاورة.
خلاصة.. الحرب لن تهدأ ما دام الآخرون يشعلونها
ما حدث في جنوب كردفان يُعد تطورًا مهمًا في مسار الحرب السودانية، لكنه ليس نهاية الصراع. فالجيش يمكنه استعادة الأراضي، لكنه لن يحقق انتصارًا شاملًا ما لم تُقطع خيوط التدخل الخارجي التي تموّل الحرب وتؤججها. والإمارات، التي أصبحت رمزًا للدور الإقليمي الذي يشعل النزاعات ويغذي الميليشيات، تتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية استمرار الدم السوداني النازف.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان تقدم الجيش سيستمر، أم أن الدعم الخارجي سيعيد تشكيل جبهات جديدة. لكن المؤكد هو أن السودان لن يعرف السلام طالما تُدار الحرب من خارج حدوده، وتُستخدم أرضه كمنصة لمشاريع النفوذ الإقليمي.
اقرأ أيضًا : السيسي جعل مصر على حافة الإفلاس — تحليل لخطاب «تحالف المدينيين» وإعلان تدشين «نادٍ المقتربين»