في تطور لافت يعكس حجم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه جمهورية مصر العربية، خرجت أنباء عن قيام السلطات بإطلاق ما وصف بـ«تحالف المدينيين»، وتبنّي فكرة تأسيس «نادٍ للمقتربين» من دوائر الحكم والثروة، في محاولة – كما تُسوّق له – لإعلان «إفلاس أم محاولات إنقاذ». لكن تحت هذا الطرح الرسمي تختبئ حقائق صادمة: ما يحدث ليس سوى تأكيد عملي على أن مصر دخلت فعلاً مرحلة حرجّة من الانهيار الاقتصادي، وأن السلطة باتت تعتمد على دائرة داخلية ضيقة لتمرير الأزمات السياسية والاقتصادية، على حساب ملايين المواطنين العاديين.
![]()
ماذا يُقصد بـ«تحالف المدينيين» و«نادي المقتربين»؟
حسب الإعلان الرسمي — الذي تداولته وسائل إعلام محلية — فإن «تحالف المدينيين» يأخذ على عاتقه مهمة «دمج القوى المدنية» تحت سقف واحد يُسمّى «نادي المقتربين» ليكون بمثابة منصة تشاركية للقوى القريبة من السلطة: سياسيين، رجال أعمال، إعلاميين، ونخب من الطبقة الوسطى والمهمة. هدف هذا النادي — وفق المتحدثين — هو «إعادة بناء الدولة»، «دعم الاستقرار» و«قيادة التحول الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة».
في العنوان الرسمي يبدو الأمر وكأنه مشروع إصلاحي طموح؛ لكن في الواقع هو إعلان ضمني بأن الدولة رسمياً تعترف بأنها فقدت قدرة الحكم الشامل: الأزمة الاقتصادية، التضخم، الديون، وتآكل القدرة الشرائية دفعتها للاعتماد على نخبة محصورة من «منتفعين ومقربين» لتسيير الأوضاع، في غياب رؤية واضحة للعيش الكريم للشعب.
لماذا نقول إن مصر على حافة الإفلاس؟
1. الأزمة الاقتصادية تتوجّه إلى الحكم الباطني
عندما يقرر النظام أن يعتمد في إدارة الشأن العام على «نخبة المقربين» فقط، فذلك يعني أن مؤسسات الدولة شبه منهارة، وأن الاعتماد على الكفاءات العامة والشعب قد فقد أي معنى حقيقي. هذا تحويل للدولة إلى منصّة مصالح مغلقة، تنقل أزمة الاقتصاد من الشفافية إلى الزبائنية، ما يفاقم الانهيار ويبعد أي أمل في تعافي اجتماعي حقيقي.
2. إفلاس رمزي قبل المالي — استنزاف الثقة والشرعية
«نادي المقتربين» لا يعني فقط إدارة موارد الدولة، بل إدارة مصير الحكم ذاته. هذا يعكس إفلاساً في الشرعية: فبدلاً من أن يكون الحكم مؤسسًا على عقد اجتماعي مع الشعب، يتحول إلى عقد مصالح مع نخبة محظوظة. وهكذا تُسحب من الشارع أي مشروعية للتظاهر، أو المطالبة، أو حتى الأمل في التغيير.
3. الشرائح الواسعة من المجتمع تُترك للمجهول
بينما تُستثمر إمكانات الدولة في تمتين علاقات النخبة، يعيش المواطن العادي ضغطًا متزايدًا: ارتفاع الأسعار، انهيار الخدمات، تدهور قيمة الجنيه، انعدام فرص العمل. هذا التهميش المنهجي يُرسّخ عقدة إحساس بأن الدولة ضده، وأن المستقبل محجوز لمجموعة محدودة.
لماذا هذا السيناريو خطير على مصر؟
-
تقويض دولة المؤسسات: حين تكون الدولة ملكًا لـ«المقربين»، تضعف مؤسساتها الحقيقية — القضاء، الإعلام المستقل، الإدارة العامة — وتتحول إلى بيادق في لعبة سلطوية.
-
انفجار اجتماعي محتمل: تهميش طبقات كبيرة من المجتمع مع تفاقم الأزمات الاقتصادية يمكن أن يفضي إلى صدامات اجتماعية أو انفجار شعبي في أي لحظة.
-
ضياع فرص الإصلاح الحقيقي: أي إصلاحات تُطرح ستكون مجرد صورة تسويقية للنخبة، لا إصلاحات حقيقية تهدف لإعادة بناء الاقتصاد أو معالجة البطالة أو الفقر.
-
استعصاء على التمثيل الديمقراطي: تحالف المدينيين ليس تعبيراً عن تمثيل شعبي، بل أداة لتهميش المجتمع المدني والطبقات المتوسطة والفئات المهمشة، ما يذرع الطريق لحكم أُحادي بلا مساءلة.
هل هناك مخرج؟
إن ما يحدث الآن يؤسس لمستقبل قاتم، لكنه ليس نهائياً — إذا ما تحركت قوى المجتمع المدني، المثقفين، الطبقات الوسطى، والأغلبية المهمشة لإعادة المطالبة بدولة المؤسسات: دولة شفافة، عادلة، قائمة على العدالة الاجتماعية، لا على تحالفات سرية ومصالح خاصة.
أي محاولة لإصلاح مصر الحقيقي يجب أن تبدأ بإعادة بناء عقد اجتماعي جديد — عقد ليس مع «نخبة المقتربين»، بل مع الشعب ككل. هذا يتطلب حرية تعبير، عدالة اجتماعية، فرص عمل حقيقية، ومحاكمة لمن أهدروا موارد الدولة لصالح حفنة ضيقة.
خلاصة: مصر في مفترق خطير
إعلان «تحالف المدينيين» و«نادي المقتربين» ليس مبادرة إصلاحية — بل كشف رسمي عن إفلاس الدولة أمام أزماتها البنيوية. ما يُعاد بيعُه كـ«إنقاذ» هو في الحقيقة انتقال إلى حكم مقموع بالزبائنية والفساد والإقصاء.
إذا واصل النظام تجاهله جماهير الشعب، وتفضيل نخبة فوق الجميع، فإن مصر ستنهار من الداخل، ليس بالضرّة فقط، بل بفقدان الثقة في المستقبل. الوقت أمام القوى الحية في مصر — من شباب، مثقفين، طبقات متوسطة — لا للمراوحة، بل لمواجهة هذا المسار قبل أن تُصبح بوابات الحاضر والمستقبل مسدودة.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يبلغ ذروته في طوباس: إنزال جوي وحصار خانق يكشف نوايا التهجير