اتهمت الحكومة السودانية، اليوم الأربعاء، قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا بارتكاب مجازر مروعة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، عقب سيطرتها الكاملة عليها بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم.
وخلال مؤتمر صحفي عقد في مدينة بورتسودان، قالت منى نور الدائم حسن، مفوضة العون الإنساني بالإنابة، إن أكثر من 2000 مدني قُتلوا في الفاشر خلال أيام قليلة، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، واصفة ما يجري بأنه “جرائم لا يستوعبها عقل، وانتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية”.
وأضافت نور الدائم أن قوات الدعم السريع “تنتزع الأرواح بوحشية، وتستهدف الفارين من المعارك بالقتل والنهب والسلب على مرأى من العالم”، مؤكدة أن فرقًا طبية ومتطوعين من الهلال الأحمر السوداني والتكايا الخيرية تمت تصفيتهم داخل المستشفيات وأماكن عملهم.
وتحدثت المسؤولة عن مشاهد مروعة في المدينة، حيث جرى إعدام الجرحى في المستشفيات وقتل مواطنين على أساس عرقي، وسط انهيار تام في الخدمات الصحية والإنسانية.

800 ألف مدني تحت النار: مجزرة موثقة بالصمت الدولي
بحسب مفوضية العون الإنساني، كان يعيش في الفاشر حوالي 800 ألف مدني قبل الاجتياح الأخير، نزح معظمهم نحو مناطق غرب المدينة، بينما لقي الآلاف حتفهم في عمليات تصفية جماعية.
وأكدت نور الدائم أن “رموز المجتمع وقيادات إنسانية وخيرية تمت تصفيتهم خلال اليومين الماضيين”، مشيرة إلى أن القتل والاختطاف استهدف الكوادر الطبية والمتطوعين الإنسانيين، ما أدى إلى توقف شبه تام لكل الأنشطة الإغاثية في المدينة المنكوبة.
واتهمت المسؤولة السودانية المجتمع الدولي بالتواطؤ بالصمت، قائلة إن “دولًا إقليمية معروفة” – في إشارة إلى الإمارات العربية المتحدة – “تواصل تغذية الحرب في السودان عبر دعمها العسكري والمالي لقوات الدعم السريع، رغم التقارير الأممية التي توثق الجرائم بحق المدنيين”.
وأضافت: “كل يوم يُقتل فيه السودانيون بسلاح إماراتي هو وصمة عار في جبين العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان ثم يصمت أمام الإبادة”.
وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية من انهيار الوضع الإنساني في دارفور بعد سقوط الفاشر، وسط أنباء عن إعدامات ميدانية ونهب للمستشفيات ومراكز الإيواء.
الخارجية السودانية: صمت العالم شجّع الميليشيا على القتل
من جانبه، حمّل وكيل وزارة الخارجية السودانية، حسين الأمين، المجتمع الدولي مسؤولية ما وصفه بـ“النتائج الكارثية لتراخيه وصمته”، قائلاً في تصريح للجزيرة نت:
“ما حدث في الفاشر هو نتيجة مباشرة لعجز المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف حازم منذ حصار المدينة في مايو 2024، وهو ما شجّع قوات الدعم السريع على التمادي في جرائمها.”
وطالب الأمين بتصنيف الدعم السريع “تنظيمًا إرهابيًا” وفرض عقوبات على الدول الداعمة له، وعلى رأسها الإمارات التي وصفها بأنها “الممول الرئيسي للحرب في دارفور عبر تسليح الميليشيا بالمال والسلاح والطائرات المسيّرة”.
وفي السياق نفسه، دعا وزير الثقافة والإعلام السوداني خالد الإعيسر إلى حملة دولية لإدانة الجرائم، قائلاً إن “غرفًا إلكترونية تدار من خارج السودان، وتحديدًا من أراضٍ خليجية، تعمل على تضليل الرأي العام العالمي وتبرير الفظائع التي ترتكبها الدعم السريع بحق المدنيين”.
تحذيرات أممية: انهيار القطاع الصحي ومجاعة وشيكة
في تطور متصل، قال المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية إن “الوضع في الفاشر مروع للغاية”، مؤكدًا أن “المستشفى الوحيد المتبقي في المدينة تعرض لهجوم مباشر، ما أدى إلى مقتل أفراد من الطاقم الطبي”.
وأشار إلى أن نصف سكان السودان يعانون من سوء التغذية، فيما لا تزال آلاف الأسر محاصرة داخل مناطق القتال بلا طعام أو دواء.
وطالبت المنظمة بالإفراج الفوري عن العاملين في القطاع الصحي، وضمان وصول آمن للمساعدات الإنسانية، ووقف إطلاق النار بشكل عاجل.
كما أكدت أن المدنيين في الفاشر يعيشون أوضاعًا “تشبه المجاعة”، بعد انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية لأشهر طويلة، في ظل غياب كامل لأي استجابة دولية فعالة.
الإمارات ودور الظل في حرب دارفور
تأتي هذه الاتهامات بعد سلسلة من التقارير الاستخباراتية الأميركية والبريطانية التي كشفت أن الإمارات زوّدت قوات الدعم السريع بأسلحة ومعدات عسكرية، بينها طائرات مسيّرة صينية ومركبات مصفحة وذخائر نقلت عبر مسارات في تشاد وإريتريا.
وأشارت تلك التقارير إلى أن الأسلحة الإماراتية ساهمت في ترجيح كفة الدعم السريع ميدانيًا خلال معارك دارفور، ما أدى إلى سقوط مدن بأكملها، كان آخرها الفاشر.
ويرى مراقبون أن الإمارات تسعى من خلال دعمها للدعم السريع إلى بسط نفوذها في الممرات الإستراتيجية بالسودان، خصوصًا مناطق الذهب وطرق التجارة نحو إفريقيا الوسطى وتشاد، في وقت تتهمها فيه الخرطوم بتمويل حرب أهلية أحرقت البلاد وشرّدت أكثر من 15 مليون سوداني.
ختام: صمت العالم شراكة في الجريمة
مع تواصل نزوح مئات الآلاف من سكان دارفور نحو الغرب، وارتفاع أعداد القتلى إلى أكثر من 2000 في أيام معدودة، تتزايد المطالب بمحاسبة الإمارات على دورها في تغذية الحرب وجرائم الإبادة.
ويبقى السؤال، كما طرحته مفوضة العون الإنساني:
“إلى متى سيظل العالم صامتًا بينما تُنتزع الأرواح في السودان بسلاحٍ يُموّل من الخارج؟”
في الوقت الذي تتهاوى فيه الفاشر تحت ركامها، يبدو أن المأساة السودانية لم تعد مجرد حرب داخلية، بل صراع إقليمي تديره أبوظبي من خلف الستار، فيما يدفع المدنيون وحدهم الثمن الأكبر.
اقرأ أيضًا : 16 ألف دليل على الإبادة.. لجنة أممية تدين إسرائيل بجرائم حرب في غزة