في تطور هو الأهم منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلنت اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة التابعة للأمم المتحدة أنها جمعت أكثر من 16 ألف دليل يثبت ارتكاب جيش الاحتلال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال عضو اللجنة كريس سيدوتي إن التحقيق الذي استمر على مدار عامين اعتمد على منهجية صارمة تستند إلى بروتوكولات الأمم المتحدة الخاصة بجمع الأدلة والتحقق من صحتها، موضحًا أن اللجنة استندت إلى صورٍ ومقاطع فيديو تم التثبت من مصادرها ومطابقتها مع إفادات شهود عيان وناجين من المجازر الموثقة في مختلف مناطق القطاع.
يأتي هذا التقرير بعد سلسلة طويلة من التحقيقات الميدانية والرقمية التي نفذتها اللجنة الأممية، شملت تحليل صور الأقمار الصناعية، وتسجيل شهادات الناجين، ومراجعة الوثائق الطبية وتقارير المنظمات الإنسانية العاملة في غزة. ويُعد هذا الكمّ من الأدلة هو الأضخم في تاريخ لجان التحقيق الدولية الخاصة بفلسطين، ما يعكس حجم الجرائم واتساع نطاقها الزمني والجغرافي.

جرائم حرب ممنهجة ومسؤولون بأسمائهم
بحسب سيدوتي، لم تكتف اللجنة بوصف الجرائم، بل حددت المسؤوليات بدقة، حيث تم التوصل في العديد من الحالات إلى تحديد القوات العسكرية الإسرائيلية والوحدات المسؤولة عن تنفيذ الهجمات، بل ووصل التحقيق إلى تحديد أسماء قادة وضباط ومسؤولين في الحكومة والجيش الإسرائيلي أصدروا أوامر مباشرة بارتكاب هذه الجرائم.
وتشير الأدلة إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية استهدفت المدنيين بشكلٍ متعمد، بما في ذلك قصف المستشفيات ومراكز الإيواء والمدارس التابعة للأمم المتحدة، واستهداف قوافل الإغاثة، وهي جرائم تدخل بوضوح ضمن تعريفات اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما وثّقت اللجنة استخدام الاحتلال أسلحة محرّمة دوليًا، أبرزها القنابل الفسفورية والعنقودية، إلى جانب سياسة التجويع والحصار الشامل التي حوّلت غزة إلى منطقة منكوبة بالكامل، وهو ما يرقى إلى جريمة إبادة جماعية وفق توصيف القانون الدولي الإنساني.
ولعل الأهم أن نتائج اللجنة جاءت متطابقة مع ما خلصت إليه تقارير أخرى صادرة عن منظمات دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، والتي أكدت أن ما يجري في غزة يتجاوز مفهوم “الرد العسكري” إلى سياسة انتقام جماعي تستهدف وجود الشعب الفلسطيني ذاته.
بين العدالة الدولية وتواطؤ الغرب
التقرير يأتي في سياق دولي متشابك، حيث كانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أوامر باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويعيد توثيق اللجنة الأممية بهذا الحجم من الأدلة الزخم إلى هذه القرارات، خصوصًا في ظل محاولات إسرائيل وواشنطن عرقلة أي مسار قانوني قد يؤدي إلى محاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
ورغم الانتقادات الحادة التي وجهتها إسرائيل والولايات المتحدة للجنة، أكد سيدوتي أن تلك الاعتراضات “سياسية وليست قانونية”، وأن اللجنة لم تتلق أي ملاحظات مهنية من جهات “جدّية”، في إشارة إلى أن رفض تل أبيب للتقرير لا يستند إلى تفنيد علمي بل إلى إنكار ممنهج لأي مساءلة دولية.
في المقابل، رحّبت منظمات حقوقية دولية عديدة بنتائج التحقيق، معتبرة أنها تشكل خطوة نحو كسر حصانة إسرائيل التاريخية أمام المحاكم الدولية، وتفتح الباب لمحاسبة من أصدر الأوامر ومن نفذها.
كما دعا ناشطون أمميون إلى استخدام التقرير كوثيقة رسمية لدعم القضايا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، التي تنظر حاليًا في اتهامات بارتكاب إسرائيل جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
الإبادة بالأرقام.. مجازر مستمرة وصمت دولي
تزامن صدور التقرير مع أرقام مروّعة أعلنتها وزارة الصحة في غزة، إذ بلغ عدد الشهداء 68,531 فلسطينيًا، فيما تجاوز عدد الجرحى 170,402 منذ بدء العدوان.
وتُظهر البيانات أن أكثر من 70% من الضحايا من النساء والأطفال، بينما لا تزال آلاف الجثث تحت الأنقاض في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إلى مناطق القصف.
ورغم هذه الأرقام المأساوية، تواصل إسرائيل سياساتها العسكرية والاقتصادية الرامية إلى خنق القطاع بالكامل، من خلال منع دخول المساعدات الإنسانية وعرقلة عمليات الإغاثة وإغلاق المعابر الحدودية. وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من مليوني إنسان يعيشون اليوم بلا ماء ولا كهرباء ولا غذاء كافٍ، وهو ما يعدّ تطبيقًا عمليًا لسياسة “التدمير البطيء” التي ترقى إلى الإبادة الجماعية.
في المقابل، يواجه المجتمع الدولي اختبارًا أخلاقيًا صارخًا، إذ تتعالى الأصوات المطالبة بإجراءات فورية لوقف العدوان ومحاسبة قادته، بينما تواصل القوى الغربية الكبرى تقديم الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، ما يجعلها شريكة في استمرار الجريمة.
خاتمة: من التوثيق إلى المحاسبة
إن توثيق 16 ألف دليل على جرائم إسرائيل في غزة يمثل منعطفًا تاريخيًا في مسار العدالة الدولية، لكنه يبقى بلا جدوى ما لم يُترجم إلى إجراءات قضائية فعلية تُنهي الإفلات من العقاب الذي تمتعت به إسرائيل لعقود.
فالتقرير لا يكتفي بإدانة الاحتلال، بل يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته: إمّا أن ينتصر للقانون والإنسانية، أو يقرّ بانهيار المنظومة الأممية التي وُجدت لحماية الأبرياء من مثل هذه الجرائم.
وفي ظل استمرار المجازر، يبقى السؤال: هل تتحول هذه الأدلة إلى محاكمات، أم تبقى مجرّد وثائق في أرشيف الأمم المتحدة؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل العدالة الدولية، ومصير الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يدفع ثمن عجز العالم وصمته أمام الإبادة المستمرة في غزة.
اقرأ أيضًا : البرهان يتوعد بحسم المعركة ويكشف أسباب الانسحاب من الفاشر