في خطوة تتجاوز بكثير بعدها الاقتصادي، وقّعت الإمارات والهند اتفاقًا بقيمة ثلاثة مليارات دولار لتوريد الغاز الطبيعي المسال، بالتزامن مع إعلان نوايا لإقامة شراكة دفاعية استراتيجية.
ورغم تسويق الخطوة كتعزيز للتجارة، إلا أن توقيتها ومضمونها يكشفان عن تشكّل محور سياسي–أمني يستهدف عمليًا اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، بجانب تركيا بوصفها آخر مظلة ردع إسلامية ذات وزن.
زيارة خاطفة لشيطان العرب
جاء التوقيع خلال زيارة قصيرة لرئيس الإمارات محمد بن زايد إلى نيودلهي، حيث التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ورغم قِصر الزيارة، حملت رسائل استراتيجية واضحة: أبوظبي تمضي في تثبيت شراكات أمنية خارج الإطار العربي–الإسلامي، في لحظة إقليمية تشهد فيها باكستان والسعودية وتركيا محاولات لإحياء تنسيق دفاعي يُفترض أن يوازن الاختلالات المتراكمة.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس عابرًا، فإعادة تنشيط التنسيق الدفاعي السعودي–الباكستاني، بما يحمله من عمق نووي وخبرة عسكرية، يُنظر إليه في أبوظبي بوصفه عامل إرباك لمعادلات النفوذ التي سعت إلى فرضها خلال السنوات الماضية. من هنا، يأتي الاندفاع نحو محور بديل يضم الهند—بثقلها العسكري والاقتصادي—ويستند ضمنيًا إلى تقاطع مصالح مع إسرائيل، بهدف تحييد أي مظلة إسلامية مستقلة.
الهند: رأس الحربة الآسيوية
اختيار الهند شريكًا دفاعيًا ليس محض اقتصاد. فنيودلهي تمتلك دوافع مباشرة لإضعاف أي تقارب سعودي–باكستاني تركي، خصوصًا في ظل التاريخ المعقّد مع إسلام آباد.
كما أن سياسات حكومة مودي تجاه المسلمين تجعلها شريكًا مريحًا لمحور لا يُخفي عداءه لأي حضور إسلامي فاعل. هكذا تتحول صفقة الغاز إلى بوابة لاصطفاف أمني أوسع، يمنح الهند غطاءً عربيًا، ويمنح الإمارات قوة موازنة خارج البيت الإسلامي.
إسرائيل… الشريك غير المُعلن
رغم غياب اسم إسرائيل عن البيانات الرسمية، فإن حضورها الاستراتيجي يبدو واضحًا في خلفية المشهد. فالتنسيق الثلاثي القائم أصلًا في مجالات التكنولوجيا والأمن والاستخبارات يجعل من الاتفاق الإماراتي–الهندي حلقة إضافية في شبكة تستهدف إعادة رسم موازين القوة، وتقويض أي صيغة دفاعية إسلامية مشتركة—وفي مقدمتها اتفاقية الرياض–إسلام آباد.
تحييد اتفاقية الدفاع المشترك
الرسالة الأبرز من هذا التحالف هي السعي إلى تحييد اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية عبر خلق واقع إقليمي بديل: شراكات ثنائية ومتعددة الأطراف خارج الإطار الإسلامي، تُفرغ فكرة الدفاع الجماعي من مضمونها. فبدل أن تتكامل القدرات، يجري تفكيكها سياسيًا عبر استبدالها بمحاور متنافسة.
اقتصاد مُسَيَّس وأمن مُعاد هندسته
تحويل صفقة طاقة إلى رافعة أمنية يعكس توظيف الاقتصاد لخدمة أجندة سياسية. فالإمارات لا تكتفي بتأمين مصالحها التجارية، بل تستخدمها لإعادة هندسة البيئة الأمنية بما يقلّص تأثير أي تحالف إسلامي مستقل. وفي المقابل، تحصل الهند على نفوذ سياسي إضافي في الخليج، يُترجم لاحقًا إلى مكاسب أمنية.
تداعيات على الرياض وإسلام آباد
بالنسبة للرياض، يفرض هذا المسار مراجعة دقيقة لكيفية حماية اتفاقياتها الدفاعية من التفريغ السياسي. أما إسلام آباد، فتجد نفسها أمام محور يسعى لتطويقها استراتيجيًا عبر بوابة الخليج. وفي الحالتين، يلوّح الاتفاق الإماراتي–الهندي بإعادة ترتيب التحالفات على نحو يزيد الاستقطاب ويُضعف العمل الإسلامي المشترك.
خلاصة
ما جرى ليس اتفاق غاز فحسب، بل تحالف مضاد يستهدف توازنات قائمة، وفي القلب منها اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا. ومع انخراط الهند—وبصمات إسرائيل—يتضح أن الهدف هو كبح أي قدرة دفاعية إسلامية جامعة، واستبدالها بمحاور متنافرة تخدم مصالح ضيقة على حساب الأمن الجماعي.
اقرأ أيضًا : السعودية تواصل الإعدامات: ثلاث ضحايا جدد في الرياض
