أعلنت وزارة الداخلية السعودية، تنفيذ حكم القتل تعزيرًا بحق ثلاثة مواطنين في العاصمة الرياض، بعد إدانتهم بتهم وصفتها السلطات بـ«الإرهابية». وبحسب البيان الرسمي، شملت الأحكام كلًا من حسين بن سالم العمري، وسعود بن هليل العنزي، وبسام بن محسن السبيعي، متهمة إياهم بالانضمام إلى تنظيم إرهابي خارجي، وزرع عبوات متفجرة في مركبات أمنية، وإيواء عناصر مصنفة على قوائم الإرهاب.
ورغم اللغة الحادة التي استخدمها البيان، فإن الإعلان أعاد إلى الواجهة الجدل المتجدد حول سياسة الإعدامات في المملكة، وحدود استخدام تهم «الإرهاب» في سياق أمني وسياسي شديد الحساسية.

أرقام متصاعدة… وتطبيع مع القتل
بإعدام العمري والعنزي والسبيعي، يرتفع عدد أحكام الإعدام المنفذة في السعودية منذ مطلع عام 2026 إلى 20 حكمًا، وفق البيانات الرسمية. أما في عام 2025، فقد سجلت المملكة رقمًا غير مسبوق، بتنفيذ 356 حكم إعدام خلال عام واحد، وهو من أعلى المعدلات عالميًا.
هذه الأرقام لا تعكس فقط تشددًا قضائيًا، بل تكشف عن مسار سياسي واضح يتعامل مع عقوبة الإعدام كأداة اعتيادية لإدارة الأمن الداخلي، في وقت تتجه فيه أغلب دول العالم إلى تقليص هذه العقوبة أو إلغائها كليًا، إما عبر التشريعات أو عبر وقف التنفيذ الفعلي.
قمع باسم «مكافحة الإرهاب»
تثير قضايا «الإرهاب» في السعودية إشكاليات عميقة، تتعلق بتعريف الجريمة نفسها، وبطبيعة المحاكمات، ومستوى الشفافية. فبحسب منظمات حقوقية دولية، كثيرًا ما تُصنف أنشطة سياسية أو فكرية، أو حتى علاقات اجتماعية، ضمن خانة «الإرهاب»، دون ضمانات كافية لمحاكمة عادلة أو رقابة مستقلة.
وفي حالات متعددة، لا تُنشر تفاصيل دقيقة عن الأدلة، ولا يُسمح بمراقبة دولية للمحاكمات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى استقلال القضاء، واستخدام هذه القضايا لتصفية خصوم أو ترهيب المجتمع.
بن سلمان… شراهة للقتل رغم الخطاب الإصلاحي
تأتي هذه الإعدامات في ظل حكم ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يقدّم نفسه دوليًا بوصفه مهندس «السعودية الجديدة»، القائمة على الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع دموي، تتصدره الإعدامات الجماعية، وأحكام القتل التعزيري، والقمع الواسع للمعارضين والناشطين.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن وتيرة الإعدامات تسارعت منذ صعود بن سلمان إلى مركز القرار، في تناقض صارخ مع وعود «الإصلاح» و«الاعتدال». فبدلًا من تقليص العقوبات القاسية، توسعت السلطات في استخدامها، لا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.
العالم يلغِي… والرياض تُصعِّد
وفق أحدث الإحصاءات الدولية، ألغت أكثر من ثلثي دول العالم عقوبة الإعدام قانونيًا أو عمليًا، معتبرة إياها عقوبة لا رجعة فيها، وتنطوي على مخاطر جسيمة في حال الخطأ القضائي أو التسييس. حتى دول كانت تُعرف بتشددها، اتجهت إلى تعليق التنفيذ أو حصره في أضيق الحدود.
في المقابل، تواصل السعودية السباحة عكس التيار، ليس فقط بالإبقاء على العقوبة، بل بتوسيع نطاق الجرائم التي تستوجب الإعدام، بما فيها تهم فضفاضة مثل «الانضمام» أو «الدعم» أو «التعاطف»، وهي مصطلحات تفتقر غالبًا إلى تعريف قانوني دقيق.
رسالة للخارج أم ترهيب للداخل؟
يقرأ مراقبون هذه الإعدامات بوصفها رسالة مزدوجة: للداخل، عبر تكريس مناخ الخوف وردع أي معارضة محتملة؛ وللخارج، عبر إظهار قبضة أمنية حديدية في سياق إقليمي مضطرب. إلا أن هذه السياسة تحمل كلفة متزايدة على صورة المملكة الدولية، خصوصًا في ظل محاولاتها جذب الاستثمارات وتلميع صورتها الحقوقية.
فالقتل باسم القانون لا يبدد الأسئلة، بل يضاعفها: عن العدالة، والحقوق، وحدود السلطة، ومستقبل دولة تراهن على «الرؤية» بينما تُدار بعقلية المقصلة.
خلاصة المشهد
إعدام ثلاثة مواطنين في الرياض ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإعدامات التي تحولت إلى سمة أساسية في عهد بن سلمان. وبينما يتجه العالم نحو تقليص هذه العقوبة، تزداد شراهة القتل في السعودية، في مشهد يعكس فشلًا بنيويًا في معالجة جذور العنف، واستسهالًا لاستخدام أقسى أدوات القمع تحت لافتة «مكافحة الإرهاب».
اقرأ أيضًا : كاتس يتباهى بالإبادة.. تدمير 2500 مبنى بعد “الهدنة” واعتراف رسمي بإجرام الاحتلال