شهدت ولاية شمال كردفان جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات المتصاعدة في السودان، بعدما شنت قوات “الدعم السريع” هجوماً وحشياً على قرية الغبشان المرامرة، ما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين بينهم طفلان، وإصابة 13 آخرين بجروح متفاوتة، وسط عمليات نهب وحرق وتدمير للبنية التحتية البسيطة في المنطقة.

الحادثة التي وثّقتها “شبكة أطباء السودان” ليست مجرد واقعة عابرة، بل تمثل حلقة في سلسلة طويلة من الجرائم التي ترتكبها هذه القوات شبه العسكرية بحق المدنيين، في وقت يواصل فيه الصراع الداخلي تمزيق البلاد منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023.

هجوم دموي واستهداف للمدنيين العزل

بحسب بيان “شبكة أطباء السودان”، فإن الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء، لم يقتصر على قتل المدنيين، بل تضمن نهب ممتلكاتهم وإحراق منازلهم، إضافة إلى تدمير المركز الصحي الوحيد في القرية وسرقة الأدوية الموجودة بداخله. هذه التفاصيل تعكس استراتيجية ممنهجة تعتمدها “قوات الدعم السريع”، تقوم على إخضاع المجتمعات المحلية من خلال العنف والتجويع وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة.

ولم يعلّق متحدثو “الدعم السريع” على هذه الاتهامات حتى الآن، لكن سوابقهم الميدانية في دارفور وكردفان والفاشر تشير إلى أن ما حدث ليس استثناءً، بل جزء من سياسة رعب متعمدة.

هذا الهجوم يتقاطع مع أحداث مشابهة وثقتها وسائل الإعلام الدولية؛ إذ نشرت وكالة أسوشييتد برس في يونيو 2025 تقريراً عن واحدة من أعنف المذابح في كردفان، حين قُتل ما لا يقل عن 200 شخص بينهم نساء وأطفال في هجوم مماثل شنته قوات “الدعم السريع”. هذا يضع ما حدث في الغبشان المرامرة ضمن مشهد أوسع لحملة تطهير وتهجير قسري تطال القرى السودانية.

كردفان.. ساحة مواجهة دامية

تعتبر ولايات كردفان الثلاث (شمال، جنوب، وغرب) من أكثر المناطق الاستراتيجية في السودان، لكونها تربط بين دارفور والخرطوم، فضلاً عن احتوائها على مساحات زراعية وممرات إمداد مهمة. لهذا السبب، يسعى الجيش السوداني و”الدعم السريع” للسيطرة عليها، مما جعل المدنيين ضحايا لصراع لا يرحم.

الهجوم الأخير يعكس حجم العنف الذي يطال القرى النائية، حيث يفتقد السكان لأي حماية أمنية أو دعم إنساني، بينما تجد قوات “الدعم السريع” مساحة مفتوحة لتنفيذ انتهاكاتها.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه الجيش بمعارك على جبهات واسعة، تعمد “الدعم السريع” إلى ترهيب المجتمعات المحلية لإضعاف أي بيئة حاضنة للجيش أو لمعارضيها، وهو ما يفسر استهدافها المباشر للمراكز الصحية والممتلكات المدنية. النتيجة هي خلق بيئة طاردة تدفع السكان إلى النزوح الجماعي، مما يضاعف من الأزمة الإنسانية.

كارثة إنسانية تلوح في الأفق

لا تقف تداعيات هذه الهجمات عند حدود القتل والتدمير الفوري، بل تتعداها إلى تعميق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان. ففي تقرير عرضه “برنامج الأغذية العالمي” أمام مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي مطلع أغسطس 2025، أكد أن أكثر من 30 مليون شخص بحاجة عاجلة للمساعدات، مع تفاقم الجوع بسبب الهجمات على المدنيين والبنية التحتية.

وفي دارفور، تفرض قوات “الدعم السريع” حصاراً خانقاً على مدينة الفاشر ومحيطها، أدى إلى انقطاع الكهرباء وتوقف إنتاج الخبز ونقص حاد في الأدوية، مما يهدد بمجاعة ووباء الكوليرا في أي لحظة. هذا المشهد ينسحب تدريجياً على مناطق كردفان، التي تتعرض لحصار مماثل من خلال قطع طرق الإمداد وتدمير المرافق.

الإمارات ودورها الخبيث في تغذية الصراع

لا يمكن قراءة هذه الجرائم بمعزل عن البعد الإقليمي، وعلى رأسه الدور الخبيث للإمارات في تأجيج الحرب السودانية. فمنذ اندلاع الصراع، تتهم تقارير حقوقية وأممية أبوظبي بأنها الممول الرئيس لقوات “الدعم السريع”، عبر إمدادها بالسلاح والمال والغطاء السياسي.

الإمارات التي تسعى لترسيخ نفوذها في البحر الأحمر ودارفور، لا تجد حرجاً في دعم ميليشيا متورطة في جرائم إبادة وجرائم حرب، مقابل الحصول على امتيازات في الذهب السوداني وممرات التجارة الاستراتيجية. بل إن استمرار تدفق الأسلحة عبر ليبيا وتشاد نحو “الدعم السريع” لا يمكن تفسيره إلا في ضوء شبكة دعم إقليمية، تقودها أبوظبي بخيوط خفية.

هذا التدخل الإماراتي يُطيل أمد الحرب، ويحرم السودانيين من أي فرصة للتسوية السياسية أو الاستقرار. والأسوأ أن الموقف الدولي يتسم بالتراخي، إذ لم تواجه أبوظبي أي عقوبات فعلية رغم تكرار الاتهامات، ما يجعلها شريكاً صامتاً في الجرائم ضد المدنيين.

خاتمة: مسؤولية دولية معلقة

الهجوم على قرية الغبشان المرامرة ليس حادثة معزولة، بل هو جرس إنذار جديد على أن السودان يتجه إلى مزيد من الانهيار ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد. استمرار صمت القوى الكبرى عن دعم الإمارات لقوات “الدعم السريع” يبعث برسالة مدمرة مفادها أن مصالح الذهب والنفط والموانئ أهم من حياة الأطفال الذين يقتلون بدم بارد.

الآن، ومع تجاوز أعداد النازحين 15 مليوناً، والقتلى عشرات الآلاف، لم يعد مقبولاً التعامل مع هذه الحرب كأزمة محلية. فكل يوم تتأخر فيه المساءلة الدولية، تتضاعف الكلفة الإنسانية، وتتعزز مكانة أمراء الحرب وداعميهم الإقليميين.

السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيظل المدنيون السودانيون وقوداً لمشاريع النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها مشروع الإمارات لتفتيت السودان؟

اقرأ أيضًا : معبر رفح.. زيارة بروتوكولية تكشف تهاوي الدور المصري