في مشهد أرادته القاهرة استعراضًا للدور المصري في الملف الفلسطيني، زار وزير الخارجية بدر عبد العاطي معبر رفح برفقة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، ووزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي.
لكن خلف الصور الرسمية والبيانات المكررة، بدا واضحًا أن النظام المصري يحاول إخفاء حقيقة فقدانه التأثير الحقيقي على مسار الأزمة، بعدما تحوّل المعبر إلى ورقة بيد الاحتلال الإسرائيلي، ودور القاهرة إلى مجرّد ممر مساعدات، بلا قيمة سياسية حقيقية.

استعراض بروتوكولي.. “المعبر مفتوح”
البيان المصري ركّز على أن “معبر رفح لم يغلق يوماً واحداً منذ بداية العدوان”، وأن أكثر من 70% من المساعدات دخلت عبر مصر. لكن هذه اللغة الاستعراضية تتجاهل أن الاحتلال دمّر الجانب الفلسطيني من المعبر، وجعل مصر عاجزة عن تسيير المساعدات إلا وفق إذن إسرائيلي، ما يعني أن الحديث عن “فتح المعبر” ليس سوى شعار فارغ، لأن السيطرة الفعلية لم تعد في يد القاهرة ولا في يد السلطة الفلسطينية.
حضور وفد إعلامي واسع لم يكن بريئًا، إذ سعت القاهرة إلى إظهار نفسها كطرف رئيسي، في وقت يدرك الجميع أن الاحتلال هو من يحدد متى تمر الشاحنات ومتى تتوقف. وحتى في المؤتمر الصحفي، كرّر عبد العاطي جملًا محفوظة عن “استمرار استقبال المصابين” و”تكثيف الجهود الدبلوماسية”، وهي عبارات لا تغيّر واقع أن مصر لم تعد تمتلك القدرة على فرض أي إملاءات.
من وزير خارجية إلى “ناشط سياسي”
المفارقة أن عبد العاطي، الذي يمثل رأس الدبلوماسية المصرية، بدا في تصريحاته أقرب إلى ناشط سياسي يرفع الشعارات، أكثر منه وزيرًا يدير ملفات حقيقية. تكراره لعبارات “التضامن مع الشعب الفلسطيني” و”رفض التهجير” و”إدانة الاستيطان” لا يضيف جديدًا، بل يعكس عجز النظام عن صياغة سياسة فعلية تضغط على الاحتلال أو تحمي سيادة القرار الفلسطيني.
حتى اللقاءات التي سبقت الزيارة في مدينة العلمين، بما فيها التحضير لـ”مؤتمر القاهرة لإعادة الإعمار”، جاءت لتعيد إنتاج الدور المصري التقليدي كمنسق مساعدات، فيما باتت الملفات الكبرى – من وقف إطلاق النار إلى صفقة الأسرى – في يد قطر والولايات المتحدة، بينما تنحصر القاهرة في الهامش. هذا التراجع جعل من وزير الخارجية مجرد مكرّر لشعارات لا يسمعها أحد في تل أبيب أو واشنطن.
النظام بلا قيمة.. وهيبة مصر تضيع
منذ عقود، كان معبر رفح رمزًا لثقل مصر الإقليمي، لكنه اليوم أصبح شاهدًا على انهيار مكانة القاهرة. الاحتلال يتحكم عمليًا بالمعبر، بينما النظام المصري يكتفي بإصدار بيانات تؤكد أنه “لم يغلقه يومًا”. لكن الحقيقة المرة أن القرار الإسرائيلي هو الذي يفتح ويغلق، فيما تقتصر وظيفة مصر على لعب دور الوسيط الذي يطلب الموافقات ويُنفذ الأوامر.
هذه الحالة تعكس ضياع هيبة مصر التي كانت توصف بأنها “الأم الحاضنة للقضية الفلسطينية”. الآن، ومع تراجع دورها أمام صعود أدوار بديلة، تبدو القاهرة عاجزة عن استعادة مكانتها، خصوصًا وأن نظام عبد الفتاح السيسي أضاع الرصيد الشعبي والتاريخي لمصر عبر سياسات التطبيع الضمني مع الاحتلال، والمشاركة في خنق غزة عبر القيود والإجراءات الأمنية.
قراءة سياسية: زيارة بلا معنى
إذا كانت زيارة وزير الخارجية المصري للمعبر قد أظهرت شيئًا، فهو أن القاهرة لم تعد قادرة على تجاوز دورها الوظيفي المحدود. فالمعبر اليوم ليس رمزًا للسيادة المصرية، بل رمزًا لفقدان القرار. والرسالة الضمنية التي خرجت من الزيارة هي أن النظام المصري يحاول التمسك بما تبقى من أوراق، لكنه في الواقع فقد القدرة على التأثير، بل تحوّل إلى مجرد ناقل رسائل بين الأطراف الدولية والإقليمية.
الأخطر أن هذا التراجع لا يخص ملف غزة فقط، بل يعكس أزمة أوسع في السياسة الخارجية المصرية التي تحوّلت إلى إدارة أزمات من موقع التابع، لا من موقع اللاعب. وهنا تكمن المعضلة: وزير خارجية يتحدث كشعاراتي، ونظام يلهث خلف اعتراف خارجي بدور لم يعد موجودًا، وهيبة وطنية تتبخر أمام عجز سياسي مستمر.
خلاصة: زيارة معبر رفح لم تغيّر شيئًا من الواقع الميداني أو السياسي. الاحتلال ما زال المتحكم الفعلي، والدور المصري يتآكل يومًا بعد يوم. وبينما يحاول النظام إيهام الداخل والخارج بأنه “المعبر المفتوح”، الحقيقة أن القاهرة لم تعد تملك سوى بيانات فارغة وصور استعراضية، في وقت ضاعت فيه هيبة مصر كفاعل إقليمي، وصار نظام السيسي بلا قيمة في معادلة فلسطين.
اقرأ أيضًا : غزة ورابعة.. ألم واحد ومجرم مشترك أمام سفارة القاهرة في لندن