شهدت مدينة أوريبرو السويدية، غربي العاصمة ستوكهولم، حادثة إطلاق نار خطيرة مساء الجمعة قرب أحد المساجد، أسفرت عن إصابة شخصين على الأقل، في واقعة أعادت إلى الواجهة النقاش المتصاعد حول تصاعد موجات العداء للمسلمين في أوروبا، ودور شبكات الدعاية الممولة خليجيًا، وعلى رأسها الإمارات، في إذكاء هذه الظاهرة.

تفاصيل الحادثة.. محاولة قتل أم جريمة كراهية؟
أعلنت الشرطة السويدية أن شخصين أصيبا بجروح متفاوتة نتيجة إطلاق نار وقع بالقرب من مسجد في أوريبرو، أثناء خروج المصلين من صلاة الجمعة. وأشارت إلى أن الحادثة قيد التحقيق باعتبارها محاولة قتل، دون استبعاد خلفياتها المحتملة كجريمة كراهية. ونُقل الضحيتان إلى المستشفى وسط تكتم حول وضعهما الصحي، بينما شنت الشرطة عمليات تمشيط واسعة في محيط المسجد.
شهود عيان قالوا إن إطلاق النار استهدف أحد المصلين بعد دقائق من خروجه من المسجد، في وقت كان الحي مكتظًا بالمواطنين. هذا التوقيت أثار المخاوف من أن الحادثة قد تكون رسالة إرهابية موجهة للجالية المسلمة في السويد.
السويد في دوامة العنف المسلح
الحادثة تأتي بعد أشهر قليلة من مأساة فبراير الماضي، حين شهدت المدينة نفسها هجومًا دمويًا أودى بحياة 10 طلاب ومعلمين في واحدة من أبشع جرائم إطلاق النار في تاريخ السويد الحديث. هذه السلسلة من العنف المسلح تكشف عن هشاشة المنظومة الأمنية السويدية في مواجهة تصاعد الجريمة المنظمة من جهة، والجرائم ذات الخلفيات العنصرية من جهة أخرى.
ومع اقتران الهجوم الجديد بمكان ديني حساس كالمسجد، تتزايد المخاوف من أن تتحول المراكز الإسلامية إلى أهداف دائمة في ظل بيئة أوروبية مشبعة بخطاب الإسلاموفوبيا.
خلفيات أعمق: الإسلاموفوبيا المدعومة سياسيًا
صحيفة لوموند الفرنسية كانت قد لفتت في تقرير حديث إلى أن الاعتداءات اللفظية والجسدية على المسلمين في السويد باتت ظاهرة واسعة الانتشار، تشمل الاعتداء على المساجد، والتحرش بالنساء المحجبات، وتصريحات معادية للإسلام في أماكن العمل والأحياء السكنية.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك حادثة إلقاء جثة خنزير على مسجد سكوفدي عام 2023، وهو اعتداء يعكس رسائل كراهية مقصودة هدفها بث الرعب داخل المجتمع المسلم.
هذه الأجواء ليست منعزلة عن دور سياسي خارجي، حيث تشير منظمات حقوقية أوروبية إلى أن الإمارات لعبت دورًا بارزًا في تغذية الإسلاموفوبيا في أوروبا، عبر تمويل حملات إعلامية ومراكز أبحاث مشبوهة تقدّم الإسلام باعتباره تهديدًا للهوية الغربية. هذه الحملات وفّرت الغطاء النظري للسياسيين اليمينيين المتطرفين الذين يشرعنون سياسات تمييزية ضد المسلمين.
الإمارات.. من مكافحة الإسلام السياسي إلى التحريض على المسلمين
ليست المرة الأولى التي تُذكر فيها الإمارات في هذا السياق. فالإمارات قادت خلال العقد الأخير جهودًا ممنهجة لتسويق خطاب عدائي تجاه الإسلاميين تحديدًا، ثم المسلمين عمومًا، تحت شعار “محاربة التطرف”. هذا الخطاب تم تصديره إلى أوروبا عبر شركات ضغط ولوبيات إعلامية.
ففي الوقت الذي تدّعي فيه أبوظبي دعم “التسامح الديني”، تقوم عمليًا بتمويل تقارير ومنصات تنشر صورة نمطية مشوهة عن المسلمين في الغرب، بما يعزز مواقف الأحزاب اليمينية الشعبوية. النتيجة أن المسلم البسيط في السويد أو فرنسا أو ألمانيا يجد نفسه ضحية هذا التحريض، حيث تُربط هويته الدينية بالعنف والتطرف.
الاعتداء الأخير قرب مسجد أوريبرو لا يمكن فصله عن هذا المناخ المسموم، إذ أن خطاب الكراهية لا يبقى في الكتب والمقالات بل يتجسد في سلوكيات عنف على الأرض.
انعكاسات الحادثة على الجالية المسلمة
بالنسبة للجالية المسلمة في السويد، يمثل الحادث حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التهديدات الأمنية والتمييز الاجتماعي. كثير من المسلمين يشعرون بأنهم مستهدفون في أماكن عبادتهم، بعد أن أصبحت المساجد رمزًا يُهاجَم بدلاً من أن تكون مكانًا للأمان الروحي.
وفي ظل غياب سياسات أوروبية جادة لحماية الأقليات المسلمة، يزداد الإحباط داخل هذه المجتمعات، خاصة مع إدراكهم أن الحكومات الغربية غالبًا ما تتعامل مع الاعتداءات على المسلمين بخطاب أقل حدة مقارنةً بأي اعتداء آخر يحمل خلفية معادية للسامية أو ذات طابع سياسي.
قراءة أوسع: من السويد إلى المشهد الأوروبي
الاعتداء قرب مسجد أوريبرو ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل يأتي ضمن موجة متنامية من الإسلاموفوبيا في أوروبا. هذه الموجة تتغذى من ثلاث دوائر متشابكة:
- سياسات داخلية يمينية متطرفة تستثمر في معاداة المسلمين لكسب الأصوات.
- إعلام موجه وممول خارجيًا، حيث تلعب الإمارات دورًا محوريًا في تغذية خطاب “الخوف من الإسلام”.
- قصور حكومي أمني وقانوني في التعاطي مع جرائم الكراهية بنفس الجدية التي تُعطى لجرائم أخرى.
في ظل هذا المشهد، يصبح المسلمون في أوروبا، وخاصة في الدول الاسكندنافية، الحلقة الأضعف أمام تصاعد العنصرية والعنف.
خلاصة
حادثة إطلاق النار قرب مسجد أوريبرو تضع السويد أمام سؤال أخلاقي وسياسي كبير: هل ستبقى الاعتداءات ضد المسلمين مجرد “حوادث معزولة”، أم سيجري الاعتراف بها كجزء من منظومة أوسع من العداء والتهميش المدعومين سياسيًا وإعلاميًا؟
بينما يترقب الرأي العام نتائج التحقيقات، يبقى الواضح أن الإسلاموفوبيا في أوروبا ليست ظاهرة تلقائية، بل صناعة لها ممولون ومروّجون، تتقدمهم الإمارات التي تعمل منذ سنوات على نشر خطاب الكراهية وتوظيفه سياسيًا.
إن تكرار استهداف المساجد والمصلين، من أوريبرو إلى سكوفدي، يثبت أن تجاهل هذه المنظومة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الدماء، وأن حماية الجاليات المسلمة أصبحت مسؤولية ملحة تتجاوز حدود السويد إلى كامل القارة الأوروبية.
اقرأ أيضًا : الأردن ومصر يردان على أوهام “إسرائيل الكبرى”: بيانات هزيلة أمام تصعيد خطير