في تصعيد جديد يفضح حجم الفظائع المرتكبة في السودان، أصدر الاتحاد الأوروبي موقفاً حاسماً أدان فيه الهجوم الدموي الذي نفّذته ميليشا الدعم السريع على مدينة كلوقي بولاية جنوب كردفان، في اعتداء وصفته المفوضية الأوروبية بأنه “جريمة حرب واضحة”، في وقت تتعالى فيه الاتهامات الدولية بشأن دور الإمارات في تسليح وتمويل هذه الميليشيا، بما يجعلها شريكاً مباشراً في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في الإقليم.

هجوم دموي يطال الأطفال أولاً

الهجوم الذي وقع في كلوقي لم يكن مجرد قصف عابر، بل جريمة منظمة استهدفت أكثر الفئات ضعفاً. فبحسب مدير محلية كلوقي، ارتفع عدد الضحايا إلى 80 قتيلاً، بينهم 46 طفلاً، في قصف مباشر طال روضة أطفال ومستشفى ريفي. هذه الأرقام المرعبة تكشف طبيعة الهجوم، إذ نفّذت ميليشيا الدعم السريع قصفاً مزدوجاً: ضربة أولى على الروضة، وثانية على المسعفين والأهالي أثناء محاولتهم إنقاذ الجرحى.

وزارة الخارجية السودانية وصفت ما جرى بأنه “مذبحة مكتملة الأركان”، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيرة في الاستهداف الأول، ثم اللحاق بالمصابين داخل المستشفى لمواصلة القتل. وفي بيان لافت، قالت الوزارة إن طبيعة الهجوم تمثل “سابقة لم يعرف العالم لها مثيلاً”، في إشارة إلى المستوى غير المسبوق من الوحشية والاستهداف المتعمّد للمدنيين.

الاتحاد الأوروبي: جريمة حرب بلا لبس

مفوضة إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، حاجة لحبيب، قالت في تصريح شديد اللهجة إن ما حدث في كلوقي يمثل “جريمة حرب واضحة”، مؤكدة أن استهداف البنية التحتية المدنية وخصوصاً الأطفال يخالف بشكل صارخ القانون الدولي الإنساني.

وأشارت لحبيب إلى أن هذا النمط من العنف ضد السكان يتطلب مساءلة عاجلة، داعية جميع أطراف النزاع إلى احترام التزاماتها القانونية. الموقف الأوروبي بدا أكثر صرامة من السابق، في ظل تزايد الأدلة على نمط منهجي من الفظائع تكرره ميليشيا الدعم السريع منذ اجتياحها مدناً عدة في دارفور وكردفان.

تدهور إنساني غير مسبوق

وبينما كان العالم يتابع مجزرة كلوقي، كشفت شبكة أطباء السودان عن كارثة إنسانية موازية: احتجاز ميليشيا الدعم السريع لأكثر من 100 أسرة في منطقة بابنوسة وغرب كردفان، بينهم نساء حوامل وأطفال، يتعرضون لسوء المعاملة والضرب والإهانة. الشبكة وصفت الوضع بأنه “بالغ الخطورة”، محذّرة من أن الاحتجاز القسري للمدنيين يشكّل “خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني”.

من جانبه، حذّر مامادو ديان بالدي، المدير الإقليمي لمفوضية اللاجئين، من أن التصعيد في كردفان يضع آلاف المدنيين تحت الحصار، مشيراً إلى أن الرجال باتوا يخشون الحركة خوفاً من الإعدامات الميدانية أو التجنيد القسري، بينما يفر النساء والأطفال وكبار السن مشياً على الأقدام.

الأمم المتحدة: تكرار لسيناريو الفظائع في الفاشر

مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك أشار إلى أن المفوضية وثّقت منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول مقتل 269 مدنياً في شمال كردفان وحدها، بفعل الغارات الجوية والقصف والإعدامات. وقال تورك إن ما يجري يعيد إلى الأذهان نمط الجرائم التي شهدتها الفاشر قبل أسابيع، حيث ارتكبت ميليشيا الدعم السريع أعمال قتل جماعي وعمليات تطهير بالهوية.

وأكد تورك أن المساءلة باتت ضرورة ملحّة، محذّراً من أن ترك هذه الجرائم دون عقاب يعني السماح بتكرار المأساة نفسها في مدن وقرى أخرى.

دور الإمارات… المتهم الغائب الحاضر

ورغم أن بيان الاتحاد الأوروبي لم يسمّ ممولي ميليشيا الدعم السريع، فإن الاتهامات الدولية — من تقارير الأمم المتحدة إلى تحقيقات رويترز وفورين بوليسي — تشير بوضوح إلى الإمارات بوصفها الداعم العسكري والمالي الأبرز للميليشيا.

شحنات الأسلحة التي وصلت إلى الدعم السريع عبر تشاد وليبيا، وتدفق الأموال والمعدات العسكرية، كلها وثقتها تقارير غربية مستقلة. وفي كل مرة ترتكب فيها ميليشيا الدعم السريع مذبحة جديدة، يتجدد سؤال المسؤولية: هل يمكن فصل جرائم الميليشيا عن مموليها؟

النقاد يرون أن الإمارات باتت تمارس حرباً بالوكالة في السودان، عبر ميليشيا ثبت تورطها في مجازر التطهير العرقي في دارفور، والآن في كردفان. ومع كل إدانة جديدة، تتعمق صورة أبوظبي كطرف يزعزع استقرار القرن الأفريقي والسودان على وجه الخصوص.

كارثة إنسانية تتسع… ونزوح بلا نهاية

المعارك التي تجتاح ولايات كردفان الثلاث تهدد بتحول المنطقة إلى ساحة انهيار شامل. فمع سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور، وانتقال المعارك إلى عمق كردفان، يخشى مراقبون من موجة نزوح أكبر، وسط تقديرات بأن النزاع منذ أبريل 2023 تسبب في نحو 13 مليون نازح.

إنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فيما يستمر المجتمع الدولي في إصدار البيانات دون اتخاذ إجراءات فعلية لحماية المدنيين أو وقف تدفق السلاح إلى الميليشيات.

خاتمة: مساءلة غائبة… وجريمة لا تنتهي

ما حدث في كلوقي ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة من الجرائم التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع بحق المدنيين، في ظل دعم خارجي يمدّها بالقدرات العسكرية والاستمرارية. ورغم الإدانة الأوروبية القوية، تبقى المساءلة غائبة والتحقيقات غامضة، بينما يواصل الأطفال والنساء دفع الثمن الأكبر.

إن الاعتراف بأن ما حدث جريمة حرب خطوة مهمة، لكنها غير كافية ما لم تتبعها إجراءات توقف الدعم الخارجي، وتمنع تكرار المجازر، وتعيد للسودان جزءاً من أمنه المنهار.

اقرأ أيضًا : مايكروسوفت في مرمى الاتهام.. شكوى أوروبية تتهم الشركة بالتستّر على جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين