في تطور لافت يكشف حجم التشابك بين شركات التكنولوجيا العملاقة ومؤسسات القمع، تقدّم “المجلس الأيرلندي للحريات المدنية” بشكوى رسمية تتهم شركة مايكروسوفت بالتورط في إخفاء أدلة على عمليات المراقبة الواسعة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، في واحدة من أخطر القضايا التي تُثار حول عملاق التكنولوجيا الأمريكي داخل أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

الشكوى التي رفعتها المنظمة الحقوقية، استندت إلى بلاغات من موظفين داخل الشركة، أكدوا أن مايكروسوفت ساعدت في إزالة أو تعطيل الوصول إلى بيانات حساسة تتعلق بأنشطة المراقبة الإسرائيلية، وذلك من خلال مراكز بيانات تابعة للشركة داخل القارة الأوروبية، في انتهاك صريح للائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي.

أولاً: خلفية الشكوى.. تفاصيل صادمة عن دور مايكروسوفت

بحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ، فإن الشكوى التي قُدمت في أيرلندا — حيث يقع المقر الأوروبي لمايكروسوفت — تتهم الشركة بمعالجة بيانات عسكرية وحكومية إسرائيلية بشكل يتعارض مع قانون حماية البيانات، وبالتحديد فيما يتعلق ببيانات الفلسطينيين التي تم جمعها عبر شبكات التجسس والمراقبة الشاملة.

وطالبت الشكوى “لجنة حماية البيانات الأيرلندية” بفتح تحقيق شامل يحدد حجم تورط الشركة، ووقف أي تعاون تقني مع الاحتلال إذا ثبت أنه مخالف للقانون الأوروبي. وتتحمل الجهة التنظيمية الأيرلندية مسؤولية إنفاذ قوانين حماية البيانات لجميع الشركات العملاقة التي تتخذ من أيرلندا مقراً لها، مثل مايكروسوفت، ميتا، وغوغل، وهو ما يجعل القضية ذات أبعاد قانونية وسياسية واسعة.

اللافت أن الشكوى لم تُبنى فقط على تقارير صحفية، بل على معلومات من مبلّغين داخل الشركة، أكدوا أن نقل بيانات حساسة من وإلى إسرائيل جرى دون رقابة كافية، وأن بعض عمليات معالجة البيانات تمت بطريقة “تُضعف قدرة أيرلندا على مراقبة البيانات شديدة الحساسية” وفق القانون الأوروبي.

ثانياً: استخدام الاحتلال لتقنيات مايكروسوفت في جرائم المراقبة

القضية لا تقف عند حدود “إخفاء أدلة”، بل تمتد إلى جوهر التعاون بين الشركة والجيش الإسرائيلي في مشاريع تُستخدم لارتكاب انتهاكات ممنهجة ضد الفلسطينيين.

في أغسطس الماضي، انفجرت فضيحة كبيرة بعدما نشرت الغارديان بالتعاون مع +972 Magazine وLocal Call تحقيقاً كشف أن وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 اعتمدت على منطقة “معزولة” داخل منصة مايكروسوفت Azure لتخزين تسجيلات المكالمات الهاتفية لملايين الفلسطينيين في غزة والضفة.

هذا يعني عملياً:

  • تخزين مكالمات المدنيين الفلسطينيين داخل خوادم مايكروسوفت.

  • استخدام هذه البيانات لتوسيع رقعة التجسس والتعقب.

  • انتهاك صريح لشروط الخدمة التي تمنع استخدام المنصة في “المراقبة الواسعة للمدنيين”.

بعد الفضيحة، اضطرت مايكروسوفت لإعلان تحقيق خارجي عاجل، وأقرت بأن استخدام Azure لتخزين بيانات حصل عليها الاحتلال من مراقبة الفلسطينيين يُعد محظوراً تماماً.

لكن هذه الخطوة جاءت متأخرة، خاصة بعد أن تزايدت الاتهامات من جماعات موظفين داخل الشركة نفسها، مثل حملة No Azure for Apartheid التي تتهم الإدارة بالتواطؤ مع الاحتلال في “الإبادة الجماعية والفصل العنصري”.

ثالثاً: شكوك حول تواطؤ موظفين إسرائيليين داخل الشركة

وفق التقارير التي تداولتها الصحافة الدولية، فإن الإدارة العليا في مايكروسوفت باتت تخشى أن يكون بعض موظفي الشركة في إسرائيل قد أخفوا معلومات حول التعاون الاستخباراتي مع الجيش عند التحقيق الأول الذي أُعلن في مايو الماضي، والذي خلُص حينها إلى “عدم وجود أدلة على انتهاكات”.

بمعنى آخر:

  • قد تكون نتائج التحقيق الأولي “مضللة”.

  • قد يكون موظفون إسرائيليون شاركوا في طمس أدلة على التجسس.

  • وقد يكون ذلك ما دفع المجلس الأيرلندي للحريات المدنية إلى التحرك الآن.

رابعاً: دلالات القضية.. تواطؤ الشركات الكبرى مع أنظمة القمع

القضية تحمل أبعاداً أوسع من مجرد “شكوى قانونية”، فهي تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بـ دور الشركات التكنولوجية في خدمة أنظمة الاحتلال والقمع.

من خلال Azure ووحدات الذكاء الاصطناعي، تستطيع إسرائيل:

  • تعقب الفلسطينيين عبر المكالمات والاتصالات.

  • جمع معلومات عن تحركات السكان.

  • تحليل البيانات على نطاق واسع لاستخدامها في الاعتقالات والاغتيالات.

  • تشغيل أنظمة مراقبة تعتمد على خوارزميات تصنيف وتحليل سلوكيات الفلسطينيين.

وبالتالي، فإن أي تورط من مايكروسوفت في تسهيل هذا النظام—سواء عبر توفير بنى تحتية أو إخفاء البيانات—يضع الشركة في مواجهة اتهامات مباشرة بـ التعامل مع نظام فصل عنصري يرتكب جرائم حرب.

خامساً: لماذا تُعد هذه الشكوى نقطة تحول؟

لأنها المرة الأولى التي يتم فيها:

  1. تقديم شكوى أوروبية رسمية ضد مايكروسوفت بتهمة مساعدة جيش الاحتلال.

  2. الاستشهاد بـ بلاغات داخلية من موظفين بالشركة نفسها.

  3. اتهام الشركة بالتورط في “إزالة أدلة” على عمليات مراقبة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

  4. المطالبة بوقف عمليات معالجة البيانات الإسرائيلية داخل أوروبا.

التحقيق المتوقع أن تفتحه السلطات الأوروبية قد يُجبر مايكروسوفت على:

  • كشف تفاصيل التعاون مع الجيش الإسرائيلي.

  • الاعتراف بانتهاكات محتملة داخل مراكز البيانات.

  • دفع غرامات هائلة تصل إلى 4% من إيراداتها العالمية.

  • وربما إنهاء تعاونها التقني مع إسرائيل بالكامل.

خاتمة: مايكروسوفت أمام اختبار أخلاقي وقانوني

القضية تكشف أن شركات التكنولوجيا الكبرى — التي تدّعي حماية الخصوصية — قد تصبح في لحظة أداة مركزية في جرائم مراقبة وقمع واحتلال.

ومع تراكم الأدلة على استخدام تقنيات مايكروسوفت في تعقب الفلسطينيين، فإن التحقيق الأوروبي المرتقب قد يكون بداية تفكيك شبكة التعاون بين الشركات العملاقة وجيوش تنتهك حقوق الإنسان.

مايكروسوفت اليوم ليست أمام “شكوى قانونية” فقط، بل أمام اتهام مباشر بالتواطؤ مع نظام يرتكب جرائم يومية بحق شعب أعزل.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتصاعد في خانيونس… قصف ونسف في شمال وجنوب غزة