في تطور جديد على مسار الحرب السودانية المشتعلة منذ أبريل/نيسان 2023، رحبت الحكومة السودانية، أمس الأربعاء، ببيان صادر عن مجلس الأمن الدولي أدان فيه خطط قوات الدعم السريع لإنشاء حكومة منافسة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، محذرًا من أن هذه الخطوة تهدد وحدة البلاد وتفتح الباب أمام تفاقم الصراع.
وبينما جاء الترحيب السوداني باعتباره دعمًا دوليًا صريحًا لسيادة السودان، رأت أوساط مراقبة أن الأزمة تتجاوز مجرد خلاف داخلي، مشيرة إلى تورط خارجي — وفي مقدمته النظام الإماراتي — في تغذية الصراع وتمزيق البلاد.

تأكيد دولي على سيادة السودان
وزارة الخارجية السودانية عبّرت في بيان رسمي عن التزام الحكومة “الصارم” بالحفاظ على سلامة وأمن واستقرار ووحدة البلاد، مؤكدة استعدادها للعمل مع المجتمع الدولي “وفق الأسس والقوانين التي تخدم مصالح الشعب السوداني”.
وجاء الموقف السوداني ردًا على لهجة واضحة من مجلس الأمن الدولي، الذي أعاد التأكيد على “الالتزام الثابت” بسيادة السودان واستقلاله ووحدته، محذرًا من أن أي خطوات لتقويض هذه المبادئ لا تهدد مستقبل السودان وحده، بل تهدد أيضًا السلام والاستقرار في المنطقة الأوسع.
البيان الأممي شدد على أن إعلان قوات الدعم السريع عن تشكيل حكومة موازية يشكل خطرًا على وحدة البلاد، ويدفع نحو تعميق الانقسام الداخلي وتفاقم الأزمة الإنسانية التي توصف بالفعل بأنها من الأسوأ عالميًا.
خلفيات “الحكومة الموازية”
في أواخر يونيو/حزيران الماضي، أعلنت قوات الدعم السريع عن تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها، خاصة في إقليم دارفور، الذي يشهد منذ أشهر تحقيقات دولية حول مزاعم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذه الخطوة وُصفت بأنها محاولة لفرض أمر واقع على الأرض، وإعادة رسم موازين القوى السياسية والعسكرية بعيدًا عن مؤسسات الدولة المركزية في الخرطوم.
ويرى خبراء أن هذه التحركات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة دعم خارجي مستمر، من أبرز مصادره الإمارات، التي اتهمتها تقارير أممية وصحفية بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، واستخدام شبكات تهريب وتوريد سلاح عبر أطراف ثالثة لتأجيج الحرب، في إطار أجندة تسعى لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم مصالحها الاقتصادية والعسكرية في البحر الأحمر وإفريقيا الوسطى.
الهجوم على الفاشر ورد الجيش
ميدانيًا، شهدت مدينة الفاشر — عاصمة إقليم دارفور — معارك ضارية أمس الأربعاء، حيث أكدت مصادر عسكرية في الجيش السوداني أن القوات المسلحة، مدعومة بالقوة المشتركة من حركات الكفاح المسلح والقوات المساندة، صدت هجومًا واسعًا لقوات الدعم السريع من المحورين الجنوبي والجنوبي الغربي.
المصادر أشارت إلى تكبيد المهاجمين “خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات”، شملت تدمير وحرق مركبات قتالية والاستيلاء على أخرى بكامل عتادها، مع رصد مشاركة مرتزقة كولومبيين في المعارك، وهو ما يضيف بعدًا دوليًا خطيرًا للصراع.
وفي موازاة ذلك، نفذت الطائرات الحربية السودانية غارات على مواقع تمركز الدعم السريع في مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور، ما ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية القتالية للقوات المهاجمة.
الإمارات.. أصابع خفية في دمار السودان
منذ اندلاع الحرب، تتواتر التقارير عن دور إماراتي محوري في تأجيج الصراع السوداني. اتهامات مباشرة من مسؤولين سودانيين وتقارير دولية تشير إلى أن أبوظبي قدمت دعمًا عسكريًا ولوجستيًا لقوات الدعم السريع، عبر خطوط إمداد سرية تمر من دول مجاورة، مع استخدام طائرات شحن لنقل الأسلحة والمعدات.
وتأتي هذه الممارسات في سياق سعي الإمارات لبسط نفوذها على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، وضمان السيطرة على مسارات تجارة الذهب وطرق الإمداد في الإقليم، حتى ولو كان الثمن تفتيت الدولة السودانية وإغراقها في صراع دموي طويل الأمد.
الهدف، وفق محللين، هو فرض أمر واقع يجعل من السودان دولة ضعيفة ومجزأة، يسهل ابتزازها سياسيًا واقتصاديًا، بما يفتح الباب أمام عقود استثمارية وسيطرة على الموارد بلا مقاومة تُذكر.
الوضع الإنساني.. الكارثة تتعمق
الحرب التي بدأت قبل أكثر من عام تسببت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم.
مدينة الفاشر، التي يفرض عليها الدعم السريع حصارًا خانقًا منذ أشهر، توشك على الانزلاق إلى مجاعة شاملة، مع انعدام الأمن الغذائي وغياب الإمدادات الطبية، في ظل عجز المنظمات الإنسانية عن الوصول إلى المحتاجين.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار الدعم الخارجي لأحد أطراف الصراع، لا سيما الدعم السريع، سيجعل فرص أي تسوية سلمية شبه معدومة، وسيطيل أمد الحرب ويزيد من تكلفة إعادة الإعمار مستقبلًا.
رسائل البيان الأممي ومآلات الصراع
البيان الصادر عن مجلس الأمن يرسل عدة رسائل حاسمة: أولًا، أن المجتمع الدولي يرفض بشكل قاطع أي محاولة لتقسيم السودان أو خلق سلطات موازية تهدد كيانه. ثانيًا، أن الحل السياسي الشامل — ببدء وقف إطلاق نار دائم وانتقال بقيادة مدنية — هو الطريق الوحيد لإنهاء الحرب.
لكن المعضلة تكمن في أن التدخلات الإقليمية، خصوصًا من جانب الإمارات، تواصل تغذية آلة الحرب، وتضعف أي جهود للوساطة أو الحوار.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بفرض عقوبات على داعمي الدعم السريع ووقف إمدادات السلاح، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان مجلس الأمن سيترجم بيانه إلى خطوات عملية، أم سيظل الموقف في إطار الإدانة اللفظية، بينما تحترق الخرطوم وتتفتت دارفور.
اقرأ أيضًا : رصاصة الاحتلال تخترق حرية الصحافة.. العالم يدين اغتيال أنس الشريف