أثار اغتيال مراسل قناة الجزيرة في غزة، أنس الشريف، برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، موجة واسعة من الغضب في الأوساط الإعلامية والحقوقية الدولية، بعدما اعتبرته صحف عالمية بارزة “تهديدا خطيرا لحرية الإعلام” ورسالة واضحة مفادها أن الكاميرا باتت هدفاً عسكرياً مشروعاً بالنسبة لإسرائيل.

الجريمة التي وقعت في ظل استمرار الحرب المدمرة على قطاع غزة، لم تكن معزولة عن سياق أوسع من استهداف ممنهج للصحفيين الفلسطينيين، ضمن سياسة تُتهم فيها إسرائيل منذ سنوات بتكميم الأفواه وحجب الحقيقة عن العالم.

إدانات حقوقية وتحذير من تصنيف الصحفيين كـ”إرهابيين”

صحيفة هآرتس العبرية تناولت الجريمة من زاوية الإدانة الصريحة لمنظمات حقوقية، على رأسها لجنة حماية الصحفيين، التي حذّرت من خطورة قيام إسرائيل بتصنيف الصحفيين كـ”إرهابيين” دون أي أدلة.

اللجنة أكدت أن هذا النهج لا يشكل فقط تهديداً مباشراً لحياة الصحفيين، بل يفتح الباب أمام تصفيتهم الميدانية تحت مبررات أمنية واهية.

ونقل مراسل هآرتس، نير حسون، في تغريدة لافتة، أن الجيش الإسرائيلي يمنع الصحافة الأجنبية من دخول القطاع ويقتل الصحفيين الفلسطينيين بشكل منهجي، متسائلاً: “أنس الشريف لم يختبئ من الجيش الإسرائيلي، فلماذا قتلوه الآن وهم يشاهدونه يبكي من التجويع؟”.

هذا السؤال يعكس إدراكاً متزايداً في الإعلام العبري نفسه أن استهداف الصحفيين ليس عملاً عشوائياً، بل جزء من سياسة مرسومة لإسكات الصوت الفلسطيني.

“حملة تشهير” سبقت الاغتيال

صحيفة الإندبندنت البريطانية ربطت اغتيال أنس الشريف بسياق أوسع من “حملة تشهير” إسرائيلية بدأت منذ شهور، استهدفته مع عدد من زملائه بهدف نزع الشرعية عنهم أمام الرأي العام الدولي، تمهيداً لاستهدافهم جسدياً. 

وأوضحت أن هذه الحملة لم تقتصر على الشريف وحده، بل طالت أيضا مراسل الجزيرة محمد قريقع، الذي استشهد معه في القصف الأخير.

وأشارت الصحيفة إلى أن لجنة حماية الصحفيين كانت قد أعربت مراراً عن قلقها على سلامة الشريف قبل الاغتيال، معتبرة أن قتل الصحفيين في غزة جعل العام الماضي “الأكثر دموية في تاريخ الصحافة” وفق الإحصاءات الدولية، حيث تحولت غزة إلى أخطر بقعة في العالم على حياة الإعلاميين.

الغارديان تسلط الضوء على الإصرار والمخاطر

أما الغارديان البريطانية فقد ركزت على شخصية أنس الشريف ودوره الميداني منذ اليوم الأول للحرب، مشيرة إلى أنه كان يدرك حجم المخاطر لكنه رفض مغادرة غزة، مؤكداً في أحاديث سابقة أنه يعيش تحت تهديد دائم بالقصف. الصحيفة نقلت أرقاماً صادمة عن مقتل 237 صحفياً في غزة منذ بدء العدوان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو رقم يعكس كثافة الاستهداف وتعمّده، في حين تصر إسرائيل على نفي استهدافها المتعمد للصحفيين رغم الأدلة الموثقة.

اتهامات إسرائيلية مفبركة

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أعادت التذكير بأن أنس الشريف كان من بين ستة صحفيين اتهمتهم إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بالانتماء إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهي اتهامات نفتها قناة الجزيرة جملة وتفصيلاً ووصفتها بالمختلقة. الصحيفة أوضحت أن هذه الاتهامات جاءت في سياق صراع طويل بين إسرائيل والجزيرة، التي واصلت تغطية الانتهاكات الإسرائيلية في غزة بكثافة، ما جعلها هدفاً دائماً للتحريض والهجوم من المسؤولين الإسرائيليين.

سياق سياسي أشد قتامة

واشنطن بوست ربطت حادثة الاغتيال بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، عن قرب بدء عملية عسكرية للسيطرة على مدينة غزة، مع استبعاد حماس والسلطة الفلسطينية من أي إدارة مستقبلية للقطاع. الصحيفة أشارت إلى أن هذا الإعلان أثار ردود فعل غاضبة من منظمات حقوقية وصحفية، حذرت من أن أي تصعيد عسكري جديد سيضاعف من الكارثة الإنسانية، وسيزيد من استهداف الصحفيين كجزء من سياسة تغييب الشهود.

 جريمة سياسية بغطاء عسكري

اغتيال أنس الشريف ليس حادثاً عابراً في ساحة حرب، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان، تُرتكب بغطاء عسكري وتبريرات أمنية فارغة، بهدف تكميم الصوت الفلسطيني وكسر أعمدة الحقيقة.

الرسائل التي بعثتها الصحف العالمية، من هآرتس إلى واشنطن بوست، تتفق على أن ما جرى يمثل ضربة خطيرة لحرية الإعلام، وتهديداً مباشراً لكل صحفي يحاول كشف الحقيقة من قلب مناطق النزاع.

وفي ظل صمت دولي رسمي مريب، يبقى السؤال معلقاً: هل ستتحرك المؤسسات الدولية لحماية الصحافة أم سيظل دم أنس الشريف وزملائه يكتب تاريخاً جديداً لزمن الإفلات من العقاب؟

اقرأ أيضًا : غوتيريش يطالب بتحقيق مستقل في اغتيال 6 صحفيين بغزة: جريمة جديدة في سجل الاحتلال