أعلنت الأمم المتحدة عن عودة أكثر من 1.3 مليون سوداني إلى ديارهم بعد أن شردتهم الحرب، من بينهم مليون نازح داخلي، في ما وصفته المنظمة بأنه تطور إيجابي يستدعي تقديم دعم عاجل للعائدين. إلا أن هذه العودة، التي تتركز في ولايات الخرطوم وسنار والجزيرة، تأتي وسط أوضاع أمنية وإنسانية هشّة، بحسب بيان مشترك صدر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وقال مامادو ديان بالدي، منسق مفوضية اللاجئين الإقليمي للأزمة في السودان، إن اللاجئين والنازحين “يعودون إلى ديارهم خاليي الوفاض”، في إشارة إلى افتقارهم لأي دعم لوجستي أو مادي أثناء رحلة العودة، مشيرًا إلى أن العدد الأكبر من العائدين – نحو 320 ألف شخص – سجل منذ بداية العام 2025، رغم أن بوادر العودة ظهرت منذ أواخر 2024.

أما المدير الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة، عثمان البلبيسي، فقد أوضح من بورتسودان أن تدفقات العودة الأكبر بدأت منذ مطلع العام، بينما بدأت عودة تدريجية للعاصمة الخرطوم تحديدًا منذ شهر مارس، وسط تفاؤل حذر بإمكانية عودة أكثر من 2.1 مليون شخص إلى العاصمة بنهاية العام، “بشرط تحسن الوضع الأمني واستئناف تقديم الخدمات الأساسية”، بحسب تعبيره.

واقع ميداني مفجع.. وعودة تحت نيران الحرب

ورغم هذا الرقم الكبير من العائدين، لا تزال الأوضاع الأمنية والإنسانية في معظم المناطق مقلقة إلى حد كبير، خاصة في ولايات غرب السودان، حيث تشهد المناطق هناك انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، وعمليات قتل جماعي تطال المدنيين.

وقد كشفت “محامو الطوارئ”، وهي مجموعة حقوقية مستقلة، أن قوات الدعم السريع نفّذت هجومين دمويين خلال يومي الأربعاء والخميس على قرية بريمة رشيد شمال مدينة النهود بولاية غرب كردفان، أسفرا عن مقتل ما لا يقل عن 30 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال. وأوضحت أن 3 مدنيين قتلوا في اليوم الأول، بينما استشهد 27 آخرون في اليوم التالي، محذّرة من أن “القوات نفّذت عمليات قتل عشوائي واستهدفت المدنيين بشكل مباشر”، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وذكرت المجموعة أن قوات الدعم السريع اقتحمت مستشفى البشير والمستشفى التعليمي ومركز الدكتور سليمان الطبي بمدينة النهود، وأجبرت الطواقم والمرضى على الخروج، واعتدت على من رفض المغادرة. وقد وصفت المجموعة ما جرى بأنه “انتهاك فادح لحرمة المنشآت الطبية”، دون أن يصدر أي رد رسمي من قوات الدعم السريع على هذه الاتهامات.

وتضاف هذه الحوادث إلى سلسلة من الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية دولية وأممية، بما في ذلك عمليات تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية خاصة في إقليم دارفور وكردفان، حيث تعيش الأقليات الإثنية أوضاعًا مأساوية تحت سيطرة المليشيات المسلحة.

من خلف الدمار؟.. أصابع الاتهام تتجه نحو الإمارات

ورغم أن المشهد السوداني يبدو في ظاهره صراعًا داخليًا بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، إلا أن تقارير دولية واستقصائية متزايدة تؤكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة تلعب دورًا أساسيًا في تغذية هذا النزاع، من خلال دعمها المالي واللوجستي الواسع لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وقد كشفت تحقيقات صحفية سابقة – أبرزها تحقيقات “رويترز” و”بي بي سي” و”العربي الجديد” – عن تدفق الأسلحة والذخائر عبر مطارات إماراتية إلى مناطق تحت سيطرة الدعم السريع، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة المفروض على السودان، وتحويل الإمارات إلى أحد أهم مزودي الطرف الأكثر تورطًا في جرائم الحرب بالعتاد والدعم.

ويشير مراقبون إلى أن هذا التدخل الإماراتي لا يأتي بدافع “مساعدة السودان”، بل جزء من مشروع استراتيجي أشمل لفرض نفوذ إماراتي على موانئ البحر الأحمر، خاصة ميناء بورتسودان، من خلال تقويض دور الجيش السوداني، وتمكين مليشيات محلية من السيطرة مقابل الولاء السياسي والاقتصادي لأبوظبي.

وتجدر الإشارة إلى أن تقارير دولية حذرت مرارًا من تحول الإمارات إلى “رأس رمح” في مشاريع الفوضى في المنطقة، من اليمن إلى ليبيا، وصولاً إلى السودان، عبر دعم أطراف مسلحة خارج مؤسسات الدولة، تارة باسم “مكافحة الإرهاب”، وتارة أخرى تحت شعار “مساعدة الشعب”.

هل تكفي العودة لبدء إعادة البناء؟

عودة أكثر من مليون نازح داخلي إلى مناطقهم في السودان قد تبدو خبرًا إيجابيًا للوهلة الأولى، لكنها تخفي وراءها واقعًا مأساويًا، لا سيما أن هؤلاء العائدين يواجهون تحديات هائلة، على رأسها انعدام الأمن، وتوقف الخدمات، وغياب الدعم الإنساني الكافي. ومع استمرار هجمات الدعم السريع وخرق حرمة المرافق الطبية، تصبح العودة أشبه بالمقامرة بالحياة.

وفي ظل غياب حل سياسي حقيقي، وإصرار داعمي الحرب وعلى رأسهم الإمارات على إطالة أمد الصراع، ستظل عودة النازحين قاصرة، بل مهددة، ما لم يتحقق وقف شامل لإطلاق النار، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ووقف تدخلات القوى الخارجية التي تحوّل السودان إلى ساحة حرب بالوكالة.

اقرأ ايضًا : إدريس يعد بإعادة مؤسسات الخرطوم خلال 6 أشهر.. وسط اتهامات للإمارات بتدمير العاصمة عبر دعم المليشيات