بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب المدمّرة في السودان، والتي حوّلت العاصمة الخرطوم إلى مدينة أشباح بفعل الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، يعود رئيس الوزراء المدني كامل إدريس إلى الخرطوم ليطلق وعدًا بإعادة مؤسسات الدولة التنفيذية خلال ستة أشهر، في محاولة لإحياء الدولة من رماد الدمار.

 

عودة الحكومة إلى العاصمة: خطوة رمزية أم بداية حقيقية؟

جاءت زيارة إدريس إلى الخرطوم بعد شهرين من تسلّمه منصب رئيس الوزراء، ومكوثه في بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، ليجسّد أول تحرك فعلي نحو إعادة الخرطوم إلى مركز الدولة السودانية، بعد أن دُمرت بنيتها التحتية تمامًا بفعل الحرب الطاحنة التي اندلعت في أبريل 2023.

جولته التفقدية شملت الجسور المهدّمة، ومحطات المياه المتوقفة، ومقار الحكومة المهجورة، وكان لافتًا حضوره أيضًا إلى رموز المجتمع الذين رفضوا مغادرة المدينة رغم اشتعالها، كالمطرب الشهير أبو عركي البخيت، والصحفي يوسف عبد المنان، ما أعطى الزيارة طابعًا رمزيًا إلى جانب بعدها التنفيذي.

لكن الزيارة لم تكن مجرد استعراض، بل أعلن إدريس صراحة، في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن مؤسسات الدولة التنفيذية ستعود إلى الخرطوم خلال 6 أشهر، وأن خدمات الماء والكهرباء ستُعاد تدريجيًا، في وقت دعا فيه المواطنين للعودة الآمنة، وأكد أن الشرطة ستتولى فرض الأمن، بدلاً من الجيش أو الميليشيات، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إنهاء عسكرة المدن.

إعمار الخرطوم: بين الطموح والإمكانات

تعرضت العاصمة السودانية لدمار هائل بفعل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع التي تلقت دعماً عسكريًا وماليًا من الإمارات، وفقاً لتقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية، ما يجعل إعادة الإعمار مهمة شاقة تحتاج إلى موارد ضخمة وإرادة سياسية قوية.

من أبرز معالم الخراب كانت الجسور التي تربط الخرطوم بأم درمان والخرطوم بحري، وتحديدًا جسري الحلفايا وشمبات، اللذين دمّرتهما الاشتباكات. إدريس طالب حكومة ولاية الخرطوم بإعادة إصلاح الجسور على وجه السرعة، فيما كشفت الولاية أن العمل في جسر الحلفايا يحتاج ثلاثة أشهر، بينما تعهدت الحكومة المصرية بإصلاح الجسرين خلال خمسة أشهر.

هذا الدعم المصري لإعادة بناء الجسور يحمل دلالات سياسية، إذ يُقرأ كحضور لمصر في ملف إعادة الإعمار، مقابل اتهامات علنية للإمارات بأنها كانت شريكًا في تدمير البنية التحتية من خلال تسليحها لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات لم تنفها أبو ظبي بوضوح حتى الآن.

أما فيما يخص المياه والكهرباء، فتشير البيانات الحكومية إلى أن أكثر من 60% من سكان الخرطوم حُرموا من المياه والكهرباء بسبب توقف 10 محطات مركزية عن العمل. إدريس أكد أن العمل جارٍ على إعادة تشغيل هذه المحطات في أقرب وقت، لكن لم يُكشف حتى الآن عن مصادر التمويل أو الجهات الداعمة لجهود الترميم.

مطار الخرطوم والحكومة المدنية: استعادة الرموز أم السلطة؟

ضمن جولته، زار إدريس مطار الخرطوم الدولي الذي تعرّض للتخريب وتوقف عن العمل منذ بدء الحرب. وتعهد بإعادة تشغيله قبل نهاية العام الحالي، قائلًا إن إعادته ستكون بحلّة أفضل، في خطوة تعكس رغبته في استعادة رمزية الدولة ومركزيتها في الخرطوم، لا في بورتسودان أو غيرها من المدن الطرفية.

إلى جانب التحركات التنفيذية، يواصل إدريس تشكيل حكومته المدنية على دفعات، حيث عيّن حتى الآن 15 وزيرًا من أصل 22، موزعين على وزارات سيادية وخدمية، أبرزها الدفاع، الداخلية، المالية، العدل، الإعلام، الصحة، الزراعة، التعليم، والتجارة. هذه الحكومة تُعدّ الأولى منذ سنوات التي يتم تشكيلها برئاسة مدنية وبصلاحيات كاملة، ما عزز آمال قطاعات واسعة من السودانيين في إنهاء الحقبة العسكرية.

ورغم أن البلاد لا تزال تعيش على وقع اشتباكات متقطعة، إلا أن الخطاب الرسمي لرئيس الوزراء الجديد يعكس إصرارًا على تجاوز الحرب، رغم عدم وجود اتفاق سياسي شامل بين الجيش وقوات الدعم السريع حتى الآن.

الإمارات: أصابع الاتهام لا تغيب

يُجمع مراقبون سودانيون ودوليون على أن الدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع كان حاسمًا في تعقيد النزاع، إذ تشير تقارير إلى إرسال أسلحة وذخائر عبر تشاد أو من خلال رحلات جوية سرية إلى السودان. وتتحمل أبو ظبي –بحسب هذه التقارير– جزءًا من مسؤولية تدمير البنية التحتية، خاصة في العاصمة، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار مرتبطة أيضًا بحسابات سياسية إقليمية، وليست مجرد مسألة لوجستية أو هندسية.

وفي هذا السياق، بات واضحًا أن أي عملية إعادة بناء لا يمكن أن تنجح دون وقف حقيقي للدعم الخارجي للميليشيات، وعلى رأسها الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، الذي كان سببًا رئيسًا في خراب الخرطوم وتهجير ملايين السودانيين.

خاتمة: نافذة أمل مشروطة بوقف الدمار

وعد رئيس الوزراء كامل إدريس بعودة الخرطوم إلى الحياة خلال 6 أشهر قد يفتح نافذة أمل في جدار الخراب، لكنه يظل مرهونًا بوقف النزيف العسكري، وضمانات أمنية لعودة المدنيين، ووقف الدعم الإقليمي للمليشيات التي عبثت بمؤسسات الدولة. فإعادة مؤسسات الدولة ليست فقط إعادة بناء للجدران، بل استعادة لهيبة القانون، وعودة لوحدة القرار، ونهاية لزمن السلاح الخارج عن الشرعية.

اقرأ أيضًا : نفي لا يبدد الاتهام.. الإمارات تتبرأ علنًا وتؤجج الحرب سراً في السودان