في خطوة جديدة تحمل أبعادًا سياسية ونفسية معقدة، نشرت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، مقطعًا مصورًا لأسير إسرائيلي محتجز لديها في قلب مدينة غزة. الفيديو أظهر الأسير ألون أوهام وهو يوجه رسالة إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، مستجدياً التدخل لمنع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو من “قتل الأسرى”، كما قال. هذه الرسالة العلنية جاءت بعد أكثر من 700 يوم على احتجاز أوهام داخل غزة، في ظروف تعكس طول أمد الحرب الإسرائيلية على القطاع، وتعثر محاولات استعادة الأسرى بالقوة أو عبر المفاوضات.
في كلماته، اتهم أوهام حكومة نتنياهو بالتخلي عن الأسرى، ووجّه انتقادات مباشرة لوزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، قائلاً إن الشرطة الإسرائيلية تعامل مواطنيها “كمجرمين”. كما حذر من أن “الأيام الأخيرة للأسرى قد تكون قريبة”، في إشارة إلى خطورة الموقف، وسط استمرار الهجوم الإسرائيلي الدموي على القطاع.

البعد النفسي والسياسي للرسالة
لا يمكن قراءة هذه الرسالة بمعزل عن المشهد الأوسع للحرب. فهي ليست مجرد فيديو دعائي للمقاومة، بل ضربة معنوية للاحتلال الذي يفاخر بقدراته الأمنية والعسكرية، بينما يظهر أحد جنوده مقيداً وسط مدينة غزة، تحت نيران القصف والتوغل. كتائب القسام أكدت أن استمرار احتجاز الأسير يأتي بسبب “تعنت نتنياهو”، محملة إياه المسؤولية عن مصير الأسرى.
الرسالة جاءت متزامنة مع تصعيد الاحتلال لعملياته في مدينة غزة، عبر قصف جوي ومدفعي، واستخدام الروبوتات المفخخة لتفجير المنازل، بالتوازي مع تقدم الدبابات من عدة محاور. وفي المقابل، تحرص المقاومة على التذكير بأن المعركة ليست فقط بالسلاح، بل أيضاً في ميدان الحرب النفسية والإعلامية، حيث تحاول القسام قلب الضغط الشعبي الإسرائيلي ضد حكومته.
ثبات المقاومة في وجه الإبادة
الرسالة المصورة تندرج ضمن استراتيجية المقاومة لإظهار قدرتها على الصمود، رغم مرور نحو عامين من حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال بدعم أمريكي مباشر. فبحسب إحصاءات فلسطينية، بلغت حصيلة الشهداء حتى الآن 65,283، فيما تجاوز عدد الجرحى 166,575، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما حصدت المجاعة الناجمة عن الحصار أرواح 442 فلسطينياً، بينهم 147 طفلاً. هذه الأرقام الكارثية لم تثنِ المقاومة عن استمرار المعركة، بل زادت من تصميمها على مواجهة الاحتلال، سواء عبر العمليات الميدانية كقنص الجنود أو عبر رسائل الأسرى.
جدير بالذكر أن كتائب القسام أعلنت مؤخراً عن قنص جندي إسرائيلي في جباليا، ما يؤكد أن المقاومة قادرة على توجيه ضربات موجعة حتى في ذروة العدوان. كما سبق أن توعدت تل أبيب بأن أي محاولة لاحتلال غزة ستدفع ثمنها “من دماء جنودها”، مؤكدة أن الأسرى الإسرائيليين سيكونون في مناطق القتال ذاتها، يعيشون الظروف نفسها التي يعيشها مقاتلوها.
أزمة نتنياهو الداخلية
ما يضاعف من وقع هذه الرسالة هو توقيتها. نتنياهو يواجه ضغوطاً غير مسبوقة من الداخل الإسرائيلي، حيث تتصاعد احتجاجات عائلات الأسرى الذين يطالبون بإبرام صفقة تبادل، في حين يصر رئيس الوزراء على المضي في العمليات العسكرية بدلاً من الحلول التفاوضية. ظهور أوهام بهذه الصورة يحرج الحكومة، ويكشف عجزها عن حماية جنودها، رغم آلة الحرب الضخمة والدعم الأمريكي المستمر.
كما أن الرسالة تحمل بُعداً سياسياً موجهاً للخارج، خصوصاً إلى الولايات المتحدة، التي تُتهم بأنها توفر الغطاء السياسي والعسكري لاستمرار الحرب. استجداء الأسير للمبعوث الأمريكي بعدم مساعدة نتنياهو يضع واشنطن أمام مأزق أخلاقي، إذ يُظهرها شريكاً في إطالة أمد معاناة الأسرى.
معركة الإرادات
بينما يواصل الاحتلال عمليته التي أطلق عليها اسم “عربات جدعون 2” منذ أغسطس الماضي، تحرص المقاومة على التأكيد أن هذه الحملة لن تحقق أهدافها. فالهجوم الذي بدأ من حي الزيتون، وتخلله تهجير قسري وتدمير واسع للبنية التحتية، لم يُسقط إرادة المقاتلين، بل كشف عن تصميمهم على الدفاع عن القطاع حتى الرمق الأخير.
بث رسالة أسير إسرائيلي من داخل غزة هو دليل ميداني على فشل الاحتلال في القضاء على المقاومة أو تحطيم قدرتها على المناورة. إنها رسالة مزدوجة: طمأنة للشعب الفلسطيني أن المقاومة ما زالت قوية، وضغط نفسي على المجتمع الإسرائيلي وحكومته في آن واحد.
خاتمة
إن رسالة الأسير الإسرائيلي من قلب غزة ليست مجرد تسجيل عابر، بل وثيقة سياسية وإعلامية تُظهر حجم الورطة التي وقع فيها الاحتلال، وتؤكد أن المقاومة قادرة على الثبات رغم المجازر. فبينما يحاول نتنياهو إقناع الداخل الإسرائيلي بأن الحرب ستنهي “تهديد حماس”، يخرج أحد جنوده ليعلن أنه رهينة تعنت حكومته، محملاً إياها المسؤولية عن حياته وحياة رفاقه.
بهذا المشهد، يتضح أن معركة غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى حرب إرادات، حيث يصر الفلسطينيون على الصمود، فيما يتآكل رصيد الاحتلال أمام عجزه عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة.
اقرأ أيضًا : أمن المقاومة ينفذ حكم الإعدام بحق 3 مدانين بالعمالة للاحتلال في غزة