لم تكن مظاهرات حضرموت التي اندلعت لليوم السادس على التوالي مجرد احتجاجات عابرة على انقطاع الكهرباء أو تردي الخدمات، بل جاءت كترجمة صريحة لحالة الغضب الشعبي المتفاقم تجاه منظومة حكم فاشلة وتحالفات إقليمية ساهمت في تمزيق اليمن، وعلى رأسها دولة الإمارات.
في مدن مثل المكلا وتريم وسيئون، خرج الآلاف في مظاهرات واسعة، يرفعون شعارات الغضب، ويهتفون ضد التحالف السعودي الإماراتي الذي يتهمه المواطنون بتدمير البلاد وتقويض مؤسساتها، في مقابل فرض واقع أمني قمعي، بلغ حد إطلاق النار على المتظاهرين العزّل.
وبينما تتسع رقعة الحراك الشعبي وتزداد زخمه الجماهيري، لجأت السلطات المحلية، التي ترتبط بتفاهمات سياسية وعسكرية مع أبوظبي، إلى خيارها المعتاد: القمع الدموي، فاستُشهد شاب وأُصيب العشرات، وسط صمت مخزٍ من الحكومة الشرعية والمجلس الرئاسي، اللذين يتهمهما المواطنون بالتبعية والانبطاح أمام النفوذ الإماراتي المتغلغل في الجنوب اليمني.

التحالف الإماراتي ومسؤولية الانهيار الخدمي
التحركات الشعبية المتصاعدة في حضرموت لم تنطلق من فراغ، بل جاءت بعد تراكم سنوات من الفشل الإداري والفساد السياسي، خصوصًا في ظل سيطرة الإمارات على المفاصل الأمنية والاقتصادية في المحافظة.
ومنذ تدخلها العسكري في اليمن، عمدت أبوظبي إلى فرض وكلاء محليين وتنصيب سلطات موالية، ليس بهدف تحسين حياة السكان، بل لحماية مصالحها الاقتصادية في الموانئ والمطارات وحقول النفط.
يؤكد نشطاء محليون أن دولة الإمارات، من خلال أدواتها في المجلس الانتقالي الجنوبي، ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل الخدمات، وتفكيك البنية الإدارية، بما يخدم مشاريع التقسيم والسيطرة، ويحول دون أي تحرك مستقل نحو التنمية أو الاستقرار. وبدل أن تدعم البنية التحتية للمناطق التي تتواجد فيها، تركت حضرموت تواجه الانهيار الكامل، لا كهرباء، ولا رواتب، ولا وقود، ولا حتى مياه نظيفة.
وقد بلغ الانقطاع الكهربائي ذروته الأسبوع الماضي، حيث عاش سكان المكلا وساحل حضرموت 40 ساعة متواصلة دون كهرباء، في ظل درجات حرارة مرتفعة. وردًا على ذلك، اقتحم المواطنون الغاضبون المؤسسات الحكومية، أغلقوا الطرق والميناء، وعلّقوا لافتات تندد بسياسات التجويع والتهميش.
قمع دموي واستفزازات قبلية تنذر بالتصعيد
في مدينة تريم، امتدت يد القمع الأمني لتسفك دم شاب أعزل خرج يطالب بأبسط حقوقه. لم يكن الحادث معزولًا، بل تبعته حملة قمع واسعة في المكلا ومدن أخرى، تخللها إطلاق نار كثيف في الهواء، واعتقالات عشوائية، وانتشار مكثف للمركبات العسكرية في الشوارع، في مشهد ذكّر السكان بأجواء الحرب، وليس بمشهد دولة تدّعي الشرعية.
ردود الفعل لم تتأخر، فقد أصدر حلف قبائل حضرموت بيانًا شديد اللهجة حذّر فيه من مغبة الاستمرار في القمع، محمّلًا السلطات الأمنية والسلطة المحلية مسؤولية إراقة الدماء، ومطالبًا بالاستجابة السريعة للمطالب الشعبية. كما أشار البيان إلى أن القمع يولّد انفجارًا قبليًا واجتماعيًا خطيرًا، قد يُدخل حضرموت في دوامة لا تُحمد عقباها.
الصحفي اليمني عبدالجبار الجريري وصف ما يجري بأنه “ثورة غضب”، وأكد أن السلطة المحلية باتت غارقة في الفساد والتقصير، ولم تعد تمثل الشعب، بل تنفذ أجندات خارجية، داعيًا إلى عصيان مدني شامل السبت المقبل. كما أشار إلى أن الشعارات المرفوعة والهتافات المناهضة للتحالف السعودي الإماراتي تدل على تحوّل المزاج الشعبي في الجنوب، وخصوصًا في حضرموت، التي تُعد معقلًا مهمًا للنفوذ الإماراتي.
نذر ثورة جنوبية وشرارة قد تمتد
ما تشهده حضرموت اليوم قد لا يقتصر عليها، بل ربما يكون بداية موجة غضب أوسع في المحافظات الجنوبية، حيث يشتد السخط الشعبي، وتتفاقم المعاناة اليومية، وسط انسداد الأفق السياسي والاقتصادي. فمع كل يوم من التجاهل الرسمي، تتسع رقعة الرفض، ويزداد الوعي الشعبي بطبيعة التدخل الإماراتي، الذي بات مرادفًا للقمع والفساد والتدمير الممنهج.
إن تكرار السيناريو نفسه في عدن وسقطرى والمكلا، يعكس نمطًا إماراتيًا متعمدًا في تقويض السيادة اليمنية، تحت غطاء مكافحة الإرهاب أو إعادة الإعمار. لكن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم. وسقوط قتيل اليوم في تريم قد يكون الشرارة التي تشعل انتفاضة جنوبية جديدة، يعيد فيها اليمنيون ترتيب المشهد، ويتجاوزون أدوات الخارج نحو مسار استقلال حقيقي عن الهيمنة الخليجية التي أهدرت ثروات البلاد ودمرت مؤسساتها.
خاتمة: الكرة في ملعب الرئاسة.. فهل يسمع أحد؟
وسط هذا الغليان الشعبي، تبدو الحكومة اليمنية والمجلس الرئاسي وكأنهما في غيبوبة سياسية، عاجزين عن التحرك، أو ربما غير راغبين، في ظل ارتهانهما لدول التحالف. لكن رسائل الشارع باتت واضحة: إما استجابة فورية للمطالب، أو انفجار قادم لا يبقي ولا يذر. إن حضرموت اليوم تكتب فصلًا جديدًا من فصول المواجهة مع قوى الفساد والاحتلال الناعم، ولن تُطفأ نيران الغضب إلا باستعادة كرامة الإنسان اليمني، وسيادة الدولة، والخروج من عباءة الإمارات.
اقرأ أيضًا : الحوثيون يقصفون العمق الإسرائيلي بخمس مسيرات.. والاحتلال يكشف هشاشته الأمنية