شهدت محافظة درعا جنوبي سوريا، صباح الثلاثاء، تصعيدًا عسكريًا خطيرًا من جانب الاحتلال الإسرائيلي، حيث نفذت قواته قصفًا مدفعيًا وجويًا عنيفًا على بلدة كويا في منطقة حوض اليرموك، ما أسفر عن استشهاد 7 مدنيين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، وسط أنباء عن استمرار عمليات النزوح من المنطقة.
ووفقًا لشبكة “درعا 24″، فإن القصف جاء عقب محاولة توغل إسرائيلية عبر أحد الأودية المحيطة بالقرية، ما أدى إلى اشتباكات محدودة مع شباب من الأهالي تصدّوا للقوة المتقدمة، وأجبروها على الانسحاب.
تزامن القصف مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع، واستهداف مباشر للأحياء السكنية والمزارع، مما فاقم من حالة الذعر بين المدنيين. الرواية الإسرائيلية التي زعمت أن “مسلحين أطلقوا النار على الجنود الإسرائيليين”، سرعان ما تم دحضها من قبل سكان البلدة الذين أكدوا أن الاحتلال هو من بدأ الاقتحام وأن المواطنين كانوا يدافعون عن أنفسهم في مواجهة اعتقالات وتفتيش عشوائي طال منازل مدنيين.
دمشق تندد وتطالب بوقف العدوان
الخارجية السورية سارعت إلى إصدار بيان شديد اللهجة أدانت فيه العدوان الإسرائيلي، معتبرة ما جرى في كويا تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية.
وطالبت دمشق بتحقيق دولي عاجل لكشف جرائم الاحتلال، مشددة على أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن سلسلة من الخروقات التي شملت أيضًا محافظتي القنيطرة ودرعا في الآونة الأخيرة، متهمة “تل أبيب” بمحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.
في السياق نفسه، أدانت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” القصف واصفة إياه بـ”العدوان الفاشي” الذي يكشف النوايا الإجرامية للاحتلال تجاه الشعب السوري.
وأضافت في بيانها أن العدوان الصهيوني يؤكد أن الاحتلال بات يوسّع من دائرة عدوانه لتشمل شعوب المنطقة كافة، داعية الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ موقف حازم تجاه هذا التصعيد.
حماس كذلك أشادت بـ”بسالة أبناء الجنوب السوري”، معتبرة تصديهم لقوات الاحتلال تأكيدًا على تمسكهم بأرضهم ورفضهم للمخططات الاستعمارية.
كما طالبت بضرورة تحرك الأمة العربية لوقف الجرائم الصهيونية بحق المدنيين في سوريا وفلسطين ولبنان، في ظل حرب مفتوحة باتت تشمل المنطقة بأكملها.
إدانات عربية وتحذيرات من تفجّر الأوضاع
لم تكن الإدانة السورية والفلسطينية وحدها، إذ انضمت عدة دول عربية إلى موجة التنديد، أبرزها الأردن وقطر.
فقد أعربت وزارة الخارجية الأردنية عن إدانتها الشديدة للقصف الإسرائيلي، واعتبرته “انتهاكًا صارخًا للسيادة السورية وتصعيدًا خطيرًا”. البيان الأردني أشار إلى أن الاعتداء يمثل خرقًا واضحًا لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، محذرًا من مغبة تفجر الأوضاع في المنطقة وداعيًا إلى ضرورة وقف العدوان فورًا.
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية القطرية أن القصف يعد “انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي”، وحذرت من أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، إضافة إلى العدوان المتواصل على غزة، من شأنه أن يشعل دائرة العنف في المنطقة. ودعت الدوحة المجتمع الدولي إلى الضغط على الاحتلال لوقف جرائمه والامتثال لقرارات الشرعية الدولية، مشددة على دعمها الكامل لسيادة سوريا وسلامة أراضيها.
سياق متصاعد.. واحتلال مستمر
يأتي القصف الإسرائيلي الأخير ضمن سلسلة من الهجمات التي شهدتها محافظة درعا في الأسابيع الأخيرة، كان آخرها في 17 مارس الجاري عندما شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات استهدفت مواقع عسكرية سورية في مدينة إزرع، ما أدى إلى استشهاد اثنين وإصابة 19 آخرين، بينهم أطفال.
كما استهدفت الغارات مستودعات تابعة للواء 132، ما يؤكد أن الاحتلال ينتهج سياسة ممنهجة لاستهداف البنية الدفاعية السورية في الجنوب.
إضافة إلى ذلك، تؤكد الوقائع الميدانية أن إسرائيل تسعى لاستغلال الوضع الداخلي السوري وتعقيداته السياسية، لتعزيز نفوذها في المناطق الحدودية، خصوصًا في الجولان السوري المحتل.
فمنذ عام 1967 تحتل إسرائيل نحو 1150 كيلومترا مربعًا من هضبة الجولان، وقررت ضمها في 1981، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي حتى اليوم.
وبحسب محللين عسكريين، فإن القصف على كويا يمثل تجاوزًا جديدًا لاتفاقية “فض الاشتباك”، بل وقد يهدف إلى جرّ الجنوب السوري إلى معركة استنزاف جديدة في وقت تشتعل فيه الجبهة في غزة، وتُرصد تحركات متزايدة للمقاومة اللبنانية في الشمال.
ختامًا ما جرى في كويا ليس حادثًا معزولًا، بل هو جزء من سياسة تصعيد ممنهجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي في أكثر من جبهة عربية، وسط صمت دولي مريب وتواطؤ غربي متكرر.
ومع تصاعد نيران القصف في غزة ولبنان وسوريا، يبدو أن المنطقة أمام سيناريو مفتوح على احتمالات خطيرة ما لم تتدخل قوى إقليمية ودولية لوضع حد لهذا التمادي الإسرائيلي المتصاعد.
سوريا اليوم تنزف من جديد، لكنها في الوقت ذاته ترسل برسائل مقاومة من الجنوب، بأن الأرض ما زالت تنجب من يدافع عنها رغم الغياب العربي الرسمي، ورغم توحّش آلة القتل الصهيونية.
اقرأ أيضًا : صواريخ ذكية من واشنطن إلى الرياض.. تمهيد عسكري لتطبيع سياسي مع إسرائيل