في حلقة جديدة من حلقات الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، أقدمت قواته ليلة الأحد – الاثنين على جريمة مروعة تمثلت بإحراق مخيمات للنازحين غرب مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، وبتدمير منازل المدنيين في أحياء الكتيبة والبيوك عبر قصف عشوائي وعنيف، أسفر عن استشهاد وإصابة العشرات، وترك العائلات تحت الأنقاض أو في العراء بلا مأوى.

وتزامنت هذه الجريمة مع تفاقم حاد في المجاعة وانتشار أمراض سوء التغذية بين الأطفال، في ظل انهيار النظام الصحي نتيجة الحصار الكامل والقصف المستمر.

غزة تحت النار: حرق المخيمات وقصف المنازل

بحسب مصادر طبية محلية، فقد استشهد ما لا يقل عن 95 فلسطينيًا في مجمل الغارات الإسرائيلية منذ فجر الأحد، من بينهم 52 في مدينة غزة وحدها، فيما أعلنت مستشفيات القطاع أن غالبية الضحايا من النساء والأطفال.

وفي تطور خطير، قصفت طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين غرب خانيونس، مما أدى إلى استشهاد مدني وإصابة آخرين، وفق بيان رسمي صادر عن مجمع ناصر الطبي. 

كما دمّرت القوات الإسرائيلية عددًا من منازل المدنيين بشكل ممنهج، مستهدفة البنى التحتية المتبقية في حي الكتيبة وحارة البيوك، حيث استخدم جيش الاحتلال القنابل الذكية والموجهة في تدمير المنازل على رؤوس قاطنيها.

وفي جباليا شمال القطاع، أفادت مصادر محلية بسماع سلسلة من الانفجارات الضخمة نتيجة لعمليات نسف ينفذها جيش الاحتلال في المنطقة، ضمن ما يبدو أنه محاولة لإحداث تغيير ديموغرافي بالقوة عبر محو أحياء بأكملها.

هذه العمليات الممنهجة تمثل انتهاكًا صريحًا وواضحًا لاتفاقيات جنيف، وخرقًا لكافة المعاهدات الدولية التي تحظر استهداف المدنيين، خاصة النازحين منهم الذين تُعتبر خيامهم مناطق إنسانية محمية، لكن الاحتلال يسعى لإعادة تعريف هذه المناطق وفق رؤيته القائمة على الإبادة والترهيب الجماعي.

المجاعة سلاح آخر في آلة الحرب الإسرائيلية

في موازاة المجازر اليومية، يعيش قطاع غزة كارثة إنسانية بسبب تفاقم المجاعة، حيث أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن أكثر من 5800 طفل تم تشخيصهم بسوء التغذية في غزة خلال شهر يونيو فقط، في مؤشّر خطير على انتشار الجوع بشكل يهدد مستقبل جيل كامل.

ومن جهتها، أكدت وكالة الأونروا أن عياداتها في غزة شهدت ارتفاعًا حادًا في معدلات سوء التغذية منذ شهر مارس الماضي، بعد تشديد الحصار الإسرائيلي ومنع دخول المواد الغذائية والإغاثية.

لم يعد الوضع الصحي في غزة يحتمل، فالمستشفيات والمراكز الطبية إما مدمّرة بالكامل أو متوقفة عن العمل بسبب نفاد الوقود. كما تعاني المراكز الطبية المتبقية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، نتيجة الحصار الذي يفرضه الاحتلال منذ أشهر، وسط صمت دولي مطبق وتواطؤ من القوى الكبرى.

ويهدد استمرار الحصار بنفاد الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، والأدوية المنقذة للحياة للأطفال حديثي الولادة، ومرضى السرطان والفشل الكلوي. ووفق بيانات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، فإن أكثر من 70% من المستشفيات خرجت عن الخدمة، في حين تواصل قوات الاحتلال استهداف المستشفيات القليلة المتبقية، مما يفاقم المأساة.

جرائم حرب مستمرة وتطهير عرقي معلن

ما يحدث في غزة لم يعد مجرد عدوان، بل هو تطهير عرقي ممنهج وواسع النطاق. منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023، وصل عدد الشهداء والجرحى إلى أكثر من 195 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى ما يزيد عن 10 آلاف مفقود ما بين شهداء تحت الأنقاض أو معتقلين في ظروف مجهولة.

كما شُرّد مئات الآلاف من منازلهم التي دمّرها الاحتلال، ليعيشوا في خيام لا تقي من حرّ ولا تضمن حدًا أدنى من الكرامة، ثم تتحول هذه الخيام إلى أهداف عسكرية في غياب أيّ رادع دولي.

إن استخدام الاحتلال للمجاعة كسلاح، وإصراره على استهداف المدنيين ومراكز الإيواء والمستشفيات، يكشف عن استراتيجية حرب قائمة على الإبادة الجماعية وتحطيم مقومات الحياة، بهدف تركيع الشعب الفلسطيني ودفعه إلى النزوح الجماعي خارج القطاع، في تكرار لما جرى عام 1948، ولكن بصيغة أكثر وحشية وعلانية.

وفي الضفة الغربية، لا يختلف المشهد كثيرًا، إذ تواصل قوات الاحتلال اقتحام البلدات والقرى، ومصادرة الأراضي، وحماية اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، في ظل تصاعد مخططات التوسع الاستيطاني التي تهدف إلى تهويد الأرض وتهجير السكان الأصليين.

خاتمة: حرب على الوجود ومطالب بتحرك عاجل

ما يجري في غزة ليس فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل هو وصمة عار في جبين الإنسانية. مشاهد حرق مخيمات النازحين وتدمير البيوت على ساكنيها وسط صراخ الجوعى والمرضى، تكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي، وتدعو إلى تحرك دولي فوري لإيقاف هذه المجازر.

إن الصمت العربي والدولي عن هذه الجرائم، شجّع الاحتلال على المضيّ قدمًا في ارتكاب المزيد منها دون محاسبة.

أمام هذه المعاناة غير المسبوقة، تبقى الشعوب الحرة مدعوة إلى التحرك، والضغط من أجل وقف العدوان، ومحاسبة مجرمي الحرب، وكسر الحصار المفروض على غزة قبل أن يُمحى من تبقى من أهلها إما بالقنابل أو بالجوع.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يمعن في التدمير.. غارات ليلية دامية وعمليات نسف في غزة تفتك بالمدنيين والمباني