تستمر إسرائيل في محاولاتها الرامية إلى تقسيم سوريا عبر استغلال الطائفة الدرزية كورقة ضغط جديدة في المشهد السوري المضطرب. 

فبحسب تقرير لوكالة “رويترز”، من المتوقع أن يقوم نحو 100 من وجهاء الطائفة الدرزية بزيارة إلى الجولان المحتل، حيث يلتقون بالشيخ موفق طريف، الذي يعد الزعيم الروحي لدروز إسرائيل، إلى جانب شخصيات أخرى من الطائفة. 

كما تتضمن الزيارة زيارة مقام ديني، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية أكثر منها دينية.

هذه الزيارة تأتي في سياق أوسع من التحركات الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز نفوذها داخل المجتمع الدرزي السوري، خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد. 

فمنذ وقف إطلاق النار في لبنان، زاد الاحتلال من دعمها لمجتمعات الأقليات داخل سوريا، في محاولة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية.

وفي الوقت الذي لم تؤكد فيه وزارة الخارجية الإسرائيلية هذه الزيارة، إلا أن المؤشرات تدل على أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز نفوذها بين الدروز عبر سياسات تروّج للحكم الذاتي تحت إطار الفيدرالية، وهو ما كشفت عنه صحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث أشارت إلى خطط إسرائيلية لإنفاق أكثر من مليار دولار لتحقيق هذا الهدف.

مخططات إسرائيل بعد سقوط الأسد: استثمار الفراغ السياسي

لم يكن الاحتلال الإسرائيلي بعيدًا عن المشهد السوري منذ اندلاع الأزمة عام 2011، إذ سعى إلى توسيع نفوذه في الجولان عبر دعم جماعات معارضة مختلفة، بالإضافة إلى تنفيذ مئات الغارات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية سورية، بهدف تقويض قدرة الدولة السورية على استعادة سيادتها.

وبعد الإطاحة بنظام الأسد، تكثّفت الجهود الإسرائيلية لإعادة ترتيب المشهد السوري بما يضمن تحقيق مكاسب جيوسياسية طويلة الأمد.

في هذا السياق، تبرز محاولات إسرائيل لإقناع دروز سوريا برفض الحكومة الجديدة في دمشق، والعمل على تحقيق انفصال جزئي أو إدراجهم ضمن نظام فدرالي يمنحهم استقلالية ذاتية.

وقد عززت تل أبيب هذه المساعي عبر تقديم مغريات اقتصادية واستثمارية، إضافة إلى تسهيل التواصل بين دروز الجولان المحتل ودروز سوريا، لخلق حالة من التقارب والتنسيق السياسي تصب في صالح المخططات الإسرائيلية.

ومن ناحية أخرى، فإن دعم الاحتلال لهذا التوجه لا يقتصر فقط على الطائفة الدرزية، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف مركزية الدولة السورية وتحويلها إلى كيان مقسم إلى كيانات عرقية وطائفية متناحرة. 

وقد سبق لإسرائيل أن دعمت مشاريع مماثلة مع الأكراد في الشمال الشرقي، بالإضافة إلى دعمها لفصائل معارضة مختلفة في الجنوب السوري، بهدف تحويل سوريا إلى ساحة نفوذ مجزأة يسهل التحكم بها.

محاولات الحكومة السورية لإفشال المخطط الإسرائيلي: وحدة الأراضي أولًا

في المقابل، تحاول الحكومة السورية التصدي لهذه المخططات عبر تعزيز سلطة الدولة وإعادة دمج المناطق الخارجة عن السيطرة في المؤسسات الرسمية. 

وفي هذا السياق، كشفت مصادر عن توصل دمشق إلى اتفاق مع وجهاء وأهالي السويداء لدمج المحافظة ضمن مؤسسات الدولة، وذلك في خطوة تعكس رفض الدروز لأي مشاريع تقسيمية تدعمها إسرائيل.

يأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان الرئاسة السورية توقيع اتفاق يقضي بدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة، ما يمثل خطوة جديدة في إطار استعادة وحدة الأراضي السورية وإعادة فرض سيطرة الحكومة المركزية على كافة المناطق التي شهدت اضطرابات خلال السنوات الماضية.

ورغم الضغوط الإسرائيلية ومساعيها لإقناع الدروز بفكرة الحكم الذاتي، إلا أن دمشق تراهن على الروابط التاريخية بين الطائفة الدرزية والدولة السورية، حيث سبق للدروز أن لعبوا دورًا رئيسيًا في النضال ضد الاحتلال الفرنسي، ورفضوا بشكل قاطع المشاريع الانفصالية التي سعت بعض القوى الإقليمية لفرضها عليهم.

ومع تصاعد التوتر في الجولان المحتل، يتزايد الحديث عن مواجهة دبلوماسية بين دمشق وتل أبيب حول مصير الطائفة الدرزية، حيث تدرك الحكومة السورية أن إسرائيل لن تتوقف عن محاولات اختراق المكونات السورية عبر الاستثمار في التوترات الداخلية، إلا أن الاستراتيجية السورية تعتمد على توحيد الجبهة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية لمواجهة هذه التحديات.

ختامًا: صراع الإرادات بين دمشق وتل أبيب

يمكن القول إن المشهد السوري ما بعد الأسد لا يزال ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية، حيث تحاول إسرائيل استغلال نقاط الضعف داخل سوريا لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية. 

ورغم أن تل أبيب نجحت في فرض واقع جديد في الجولان، إلا أن محاولاتها لإحداث تغيير ديموغرافي وسياسي أوسع تواجه تحديات كبيرة، خاصة مع استعادة دمشق تدريجيًا لنفوذها في مناطق واسعة من البلاد.

ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن أن تصمد الحكومة السورية في مواجهة هذه الضغوط؟ وهل ستنجح إسرائيل في تحقيق مشروعها القائم على تفكيك سوريا عبر ورقة الدروز، أم أن الإرادة السياسية في دمشق ستتمكن من إحباط هذه المخططات وإعادة توحيد البلاد تحت سلطة الدولة المركزية؟

اقرأ أيضًا : دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية يُفشل المحاولات “الإماراتية الإسرائيلية” لتقسيم سوريا