تتسارع التطورات في ملف المفاوضات بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، وسط تسريبات عبرية تؤكد وجود مداولات خلف الكواليس تهدف إلى نقل مسار المفاوضات من العواصم التقليدية، كالقاهرة والدوحة، إلى عواصم جديدة، بعضها عربية.

وتطرح هذه التحركات تساؤلات عديدة حول أهدافها الحقيقية، خصوصًا مع ورود اسم الإمارات كأحد الخيارات المطروحة، في خطوة قد تعكس محاولة إماراتية للانقضاض على ملف الوساطة وسحب البساط من قطر.

مناورة سياسية خلف الكواليس

بحسب ما أوردته القناة الإسرائيلية 12، فإن نقاشات تجري داخل أروقة القرار في تل أبيب حول موقع بديل للمفاوضات، في ظل شعور متزايد بعدم جدوى استمرارها بالصيغة الحالية، بعد أن اصطدمت بجدار الخلافات حول شروط الصفقة. ويبرز في هذه النقاشات اسم العاصمة الإماراتية أبوظبي، التي زارها مؤخرًا وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، حيث أجرى محادثات تناولت الملف.

وتشير هذه الخطوة إلى أن الاحتلال يحاول البحث عن أرضية جديدة أكثر مرونة وأقل ضغوطًا، بعيدًا عن الأجواء المتوترة التي ترافق الوساطات القطرية والمصرية. غير أن إدخال الإمارات على خط الوساطة يثير علامات استفهام واسعة، نظرًا لسجلها المعروف في خدمة الأجندات الإسرائيلية والأمريكية بالمنطقة، فضلًا عن علاقاتها المتوترة مع أطراف المقاومة.

الإمارات والوساطة.. دور بديل أم مؤامرة؟

من الواضح أن مساعي الإمارات لدخول المشهد ليست بدافع “الحياد” أو “الإنسانية”، وإنما جزء من مخطط متكامل لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي. فبعد أن تحولت قطر إلى لاعب محوري في ملف غزة خلال السنوات الماضية، تسعى أبوظبي للظهور كبديل مفضل لدى إسرائيل، مستفيدة من علاقتها العلنية مع تل أبيب ضمن مسار التطبيع.

هذه الخطوة ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل يمكن قراءتها كمؤامرة إماراتية-صهيونية تهدف إلى إضعاف النفوذ القطري والعربي الداعم نسبيًا لحقوق الفلسطينيين، واستبداله بوسيط أقرب ما يكون إلى “شريك للاحتلال”. فبينما كانت الدوحة تعمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع حماس وتقديم تسهيلات إنسانية لقطاع غزة، من المتوقع أن يقتصر الدور الإماراتي – إن تحقق – على الضغط من أجل إملاءات إسرائيلية بحتة.

موقف نتنياهو والكابينيت

المداولات تأتي عشية جلسة مرتقبة للكابينيت الإسرائيلي، من المقرر أن يعقدها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الثلاثاء المقبل، لمناقشة العدوان على غزة وتطورات ملف الأسرى. وتشير التسريبات إلى أن نتنياهو لم يحسم بعد طبيعة الوفد المفاوض، وما إذا كان سيبقي على نفس الشخصيات التي شاركت في جولات الدوحة، أم سيعيد تشكيل الفريق.

اللافت أن رئيس الموساد دافيد برنياع، الذي اجتمع مؤخرًا مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قد يعود مجددًا للواجهة ضمن الوفد المفاوض. لكن مع تزايد الحديث عن إدخال أبوظبي كمنصة بديلة، يبدو أن نتنياهو يحاول استثمار الورقة الإماراتية للضغط على الوسطاء الحاليين، وربما لتهيئة الأرضية لشروط أكثر تشددًا.

تلاعب إسرائيلي بالملفات

من جانب آخر، تكشف التصريحات الإسرائيلية الأخيرة عن استراتيجية واضحة للتلاعب بالملفات وربطها ببعضها. فقد شدد مسؤولون إسرائيليون على أن أي صفقة مستقبلية مع حماس يجب أن تقتصر على “إطلاق جميع المختطفين” وإنهاء الحرب بشروط تل أبيب. والأخطر من ذلك، إعلانهم أن “احتلال غزة” لا علاقة له بالمفاوضات، بل إن العملية العسكرية ستتواصل بوتيرة أسرع بالتوازي مع المحادثات.

هذه المعادلة تكشف أن الاحتلال يستخدم ورقة الأسرى كغطاء لتبرير استمرار العدوان، وليس كمدخل لتهدئة أو تسوية. ومن هنا، فإن إدخال الإمارات كوسيط “جديد” قد يكون مجرد تكتيك لإضفاء شرعية على هذا المسار، وليس لتقديم حلول حقيقية.

انقسام داخل المؤسسة الأمنية

وسط هذه التجاذبات، برز موقف مثير لرئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، الذي نقل رسالة صريحة إلى نتنياهو بضرورة قبول الصفقة المطروحة حاليًا، معتبرًا أن الجيش هيأ الظروف اللازمة لإنجازها. هذا الموقف يعكس وجود خلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية بين من يرى ضرورة حسم عسكري بأي ثمن، وبين من يفضل استثمار اللحظة السياسية للتوصل إلى صفقة تنقذ الجنود الأسرى وتخفف الضغط الداخلي.

لكن طالما بقي القرار بيد نتنياهو، المعروف بتغليبه الحسابات الشخصية والسياسية على المصلحة العامة، فإن المؤشرات تميل إلى مزيد من المراوغة والتهرب من أي التزام جدي.

قراءة ختامية

إدخال الإمارات كخيار مطروح للوساطة ليس سوى حلقة جديدة في مسار “المؤامرة المشتركة” بينها وبين الاحتلال. الهدف الأساس هو إقصاء قطر التي مثلت خلال العقد الماضي واجهة دعم إنساني ودبلوماسي للفلسطينيين، واستبدالها بدولة تسير في فلك واشنطن وتل أبيب.

وإذا ما تحقق ذلك، فإن المفاوضات لن تكون سوى غطاء لتصفية ما تبقى من ملف غزة، عبر إفراغ الوساطة من مضمونها وتحويلها إلى أداة ضغط لصالح الاحتلال. في النهاية، تبقى الحقيقة أن إسرائيل لا تبحث عن حل بقدر ما تسعى لإدارة الوقت وتحقيق مكاسب ميدانية، فيما تتحول الإمارات إلى شريك في هذا المخطط، لا وسيطًا نزيهًا.

اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة: الإمارات تغذي مجاعة تهدد 18 مليونا في اليمن