شهدت محافظة القنيطرة جنوبي سوريا، مساء الأحد، توغلاً جديدًا لقوات الاحتلال الإسرائيلي، هو الثالث من نوعه خلال أغسطس/آب الجاري، في تصعيد يسلط الضوء على نوايا تل أبيب الممنهجة لفرض واقع أمني جديد على الحدود السورية – الفلسطينية المحتلة. 

هذا التطور يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل الاستقرار في جنوب سوريا، ويكشف عن حجم الانتهاكات المتكررة للسيادة السورية في ظل غياب ردع إقليمي ودولي.

تصعيد متكرر وتكتيكات عسكرية متطورة

بحسب قناة “الإخبارية” السورية، اقتحمت القوات الإسرائيلية قرية عين العبد بريف القنيطرة، ونفذت عمليات تفتيش داخل أحد المنازل. هذا المشهد تكرر مطلع الشهر الجاري حينما أفادت وكالة “سانا” بأن قوات الاحتلال نصبت حواجز داخل القرى والمدن السورية، وأخضعت المارة للتفتيش قبل انسحابها.

الجيش الإسرائيلي من جانبه أعلن عن تنفيذ سلسلة مداهمات في جنوب سوريا، استهدفت وفق روايته “مستودعات أسلحة”، واعتقل عددًا من الأشخاص بدعوى الاشتباه بعلاقتهم بجماعات مسلحة. موقع “واينت” العبري أوضح أن مقاتلي اللواء 474 نفذوا عمليات تمشيط ميداني، عثروا خلالها – حسب ادعائهم – على صواريخ RPG وعبوات ناسفة وبنادق كلاشينكوف وكميات كبيرة من الذخيرة.

كما كشف أن هذه العمليات تمت بالتنسيق مع “الوحدة 504” المتخصصة في جمع المعلومات الميدانية.

هذا السلوك يعكس محاولة تل أبيب ترسيخ عقيدة الأمن الوقائي عبر اختراق العمق السوري، في خطوة لا تقتصر على حماية حدودها، بل تهدف إلى رسم خريطة أمنية جديدة تجعل الجنوب السوري منطقة نفوذ مباشر لها.

اتفاق أمني غامض بين دمشق وتل أبيب

تواكب هذه التحركات الميدانية مع تسريبات إعلامية عبرية حول وجود تقدم في محادثات أمنية بين سوريا وإسرائيل. هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مصادر سورية – لم تسمها – أن الطرفين أحرزا تقدماً بنحو 80% في بنود اتفاق أمني، مع استمرار الخلاف حول بعض القضايا الجوهرية، أبرزها مطلب إسرائيل الاحتفاظ بقواتها في مواقع استراتيجية داخل الأراضي السورية، مثل محطة الرادار في جبل الشيخ وتل رئيسي في القنيطرة.

هذا السيناريو يكشف التناقض الفج: بينما يروج الإعلام العبري لفكرة التفاهمات الأمنية، تمضي القوات الإسرائيلية على الأرض في سياسة فرض الأمر الواقع عبر الاحتلال المباشر، بما ينسف أي حديث عن اتفاق متكافئ. وهو ما يعني أن دمشق – في حال صحت التسريبات – قد تكون مضطرة للتفاوض تحت الضغط العسكري والاحتلالي.

الاحتلال وتوسيع النفوذ جنوب سوريا

منذ سبعة أشهر، عززت إسرائيل وجودها العسكري في جبل الشيخ، وأقامت شريطًا أمنيًا يمتد حتى 15 كيلومترًا في بعض مناطق الجنوب السوري. هذا الشريط يشمل نحو 40 ألف مواطن سوري يعيشون اليوم في منطقة معزولة ومحرومة من السيادة الوطنية، تحت رقابة مشددة من قوات الاحتلال.

الخطير في الأمر أن هذه التحركات لم تعد تقتصر على هضبة الجولان المحتلة منذ 1967، بل امتدت إلى قرى ومناطق إضافية بعد سقوط النظام المخلوع بشار الأسد أواخر 2024، حيث استغلت تل أبيب حالة الانهيار السياسي والأمني لفرض وقائع جديدة، في خطوة تعكس أطماعها التوسعية.

زعزعة الأمن الإقليمي ورسائل متعددة

التوغل الإسرائيلي في القنيطرة لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتصل بالمعادلة الإقليمية. فمن ناحية، يحمل رسالة إلى دمشق مفادها أن تل أبيب لن تسمح بإعادة تشكيل أي قوة معادية قرب حدودها، خصوصًا مع النشاط الإيراني والميليشيات المتحالفة معه. ومن ناحية أخرى، توجه إسرائيل رسالة للداخل بأنها تتحرك استباقيًا لمنع أي تهديد مستقبلي، مستغلة غياب الرقابة الدولية وانشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى.

لكن الأبعاد الأخطر تكمن في أن استمرار هذه السياسات يهدد بجرّ الجنوب السوري إلى مرحلة جديدة من الفوضى، عبر تصاعد احتمالات المواجهة مع مجموعات محلية، أو حتى خلق بيئة خصبة لعودة نشاط جماعات مسلحة تبحث عن ملاذ في ظل الانتهاكات الإسرائيلية.

ازدواجية المعايير الدولية وصمت مريب

ما يزيد المأساة تعقيدًا أن هذه الانتهاكات تجري وسط صمت دولي يكاد يكون مطبقًا. فبينما تسارع العواصم الغربية لإدانة أي تحركات عسكرية داخل أوكرانيا، تغض الطرف عن خروقات إسرائيل المتكررة للسيادة السورية. بل إن بعض القوى الكبرى تدعم هذه التحركات تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، متجاهلة أن ما يجري هو عملية احتلال ممنهجة تستهدف شعبًا وأرضًا.

ازدواجية المعايير هذه تمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة جرائمه، وتجعل المجتمع الدولي شريكًا ضمنيًا في زعزعة أمن سوريا واستباحة أراضيها.

خاتمة: سوريا بين فكي الاحتلال والفوضى

إن ما يحدث في القنيطرة يعكس بوضوح أن إسرائيل لا تسعى فقط لحماية حدودها، بل تعمل على إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر سياسة “الاحتلال الزاحف”. فهي تتحرك خطوة بخطوة لتوسيع سيطرتها على الجنوب السوري، متذرعة بمستودعات أسلحة أو ملاحقة مجموعات مسلحة، بينما الهدف الحقيقي هو ترسيخ نفوذها في منطقة استراتيجية تربط بين دمشق والجولان ولبنان.

ومع استمرار هذا النهج، تبدو سوريا مهددة بفقدان المزيد من سيادتها، فيما يدفع المدنيون ثمنًا باهظًا من أمنهم وكرامتهم. وفي ظل غياب موقف عربي ودولي حازم، يظل الاحتلال يتمادى في إجرامه، ليحوّل القنيطرة مجددًا إلى ساحة مفتوحة لفرض الهيمنة وزرع الفوضى.

الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بالاستيلاء على الأرض، بل يزرع بذور عدم الاستقرار في سوريا والمنطقة بأسرها، في مشهد يعكس أن جرائمه لن تتوقف ما لم يواجه برد حقيقي يتجاوز بيانات التنديد الفارغة.

اقرأ أيضًا : أبو شباب يعلن عن وظائف للجنود والضباط في رفح.. دعم واسع من مصر والإمارات